«وبعدين… لقيت نفسي في السويد»

٨ أيام من المشي والأحلام والتوهان في السويد (اليوم الثاني)

أهلاً بيكم يا جماعة في بوست جديد عن رحلة المشي اللي عملتها في السويد في سبتمبر ٢٠٢٥!

بوست النهارده بيحكي عن اليوم التاني من الرحلة — يوم كان مليان تحديات، ومعاه كمان كام عاصفة نفسية كده على الهادي. يمكن ماكانش أزهى فصل في المشوار، بس كان جزء من الرحلة، وكان يستاهل إنّي أحكيه بصراحة زي ما حصل.
فارتاحوا، وخدوا نفس، واستمتعوا… وإضحكوا براحتكم على الفوضى اللي كنت عايشة فيها. 😁

(مدة القراءة تقريباً: ٣٥ دقيقة)


٢٠ سبتمبر ٢٠٢٥ – اليوم الثاني
(رحلة المشي من يارنا لغنيستا)

🍃 الجزء الأول – معركة السنووز الشهيرة

الساعة ٥:٣٠ الصبح. نغمة موبايل اسمها “By The Seaside” بتحاول تصحيني بحنية — بس مفيش فايدة. طول ما مافيش بحر حقيقي قدام الشباك، مش هتنجح. سنووز.

٥:٣٩. تاني محاولة. بدأت أبص حولي بعين واحدة مفتوحة… الدنيا لسه ضلمة وسقعة جداً. فكرة إني أطلع من تحت البطانية الدافية دي شبه مستحيلة. سنووز تاني.

المعركة دي كملت حوالي عشرين دقيقة كمان، لحد ما الساعة جت ٦:٠٠ وأنا أخيرًا بطرح على نفسي السؤال اللي على حظي دايمًا بسأله في الوقت الصح:
هو انتي فعلاً عايزة تمشي ٢٥ كيلومتر النهارده من غير فطار كويس وتمارين الصبح؟ وعايزة كمان يفوتك القطر؟
الوقت بيجري…
حاضر حاضر! قمت أهو خلاص.

قعدت على طرف السرير وأنا بحاول أجمع أفكاري، بعدين قمت ومشيت ناحية الشباك عشان أشوف منظر الفجر بره اللي متأكدة إنه هيبقى تحفة. بس أول ما حركت الستارة… ولا تحفة ولا حاجة. الإزاز كله مليان ندى مش باين من وراه حاجة غير تراس مضلم جداً. وبطرف عيني شايفة كام عنكبوت عايم في طرف الشباك.… لأ خلاص، نخلي الستارة مقفولة أحسن.

كوباية قهوة سخنة وشوية شوفان دافيين ظبطوا المود. الوقت بيجري، فبدأت أعمل كل حاجة في نفس الوقت: شوية ألبس، شوية أعمل تمارين، شوية أرتب الحاجة وأحاول أظبط شنطتي بأكتر شكل منظم ممكن عقلي اللي نصه نايم في الساعة دي يتخيله. كله استعداد لرحلة القطر والمشي الطويل اللي مستنييني.

وأنا خلاص بخلص، أخدت نفس وراجعت الخطة في دماغي: كمان شوية همشي لمحطة تريلبورغ المركزية، آخد أول قطر لمالمو، بعدين قطر تاني لسودرتاليا، وبعدين قطر ثالث ليارنا. ومن هناك هبدأ المشي ٢٥ كيلومتر لحد كوخ في الغابة في منطقة اسمها غنيستا. مجهود؟ أكيد… بس متحمسة جدًا للمغامرة اللي قدامي!

رجعت أفتح الستارة تاني — المشهد بقى أفتح شوية، بس لسه مغيم ومش واضح. شلت الشنطة على ضهري، لبست الجزمة، وودعت المكان اللي احتواني في هذه الليلة القصيرة.

الساعة ٦:٣٥. وأنا خارجة، سمعت كلب أصحاب المكان بيهوهو علي وهو بيعافر… تمام، لطيف قوي.

بس أول ما رجلي لمست الشارع، حسيت إن المكان خلاص بقى ورايا بأميال. الدنيا ساكتة بطريقة هدتني جداً، والهوا فيه ريحة الصباح الباردة المنعشة، والسما بدأت تاخد لون وردي خفيف. أخدت نفس عميق، وحسيت براحة وسعادة بسيطة إني هنا.

منظر الشارع الصبح

الشوارع عاملة زي مشهد من فيلم American Beauty — عارف/ة الفيلم؟ بيوت صغيرة ظريفة، كل بيت عنده جنينة متزينة بعناية. شارع طويل، فيه شجر مرصوص على الجنبين، هادي، فيه سلام.

٧:١٣. بعد كام لفة غير مُخططة وكام لحظة قلق صغيرة، وصلت أخيرًا للمحطة. Google Maps قررت توديني في شوارع مقفولة للتصليح، فاضطريت أجري شوية عشان ألحق أوصل. لكن أول ما وصلت اكتشفت إن عندي سبع دقايق كاملين فاضيين. كسبت التحدي!

وطبعاً اتبسط إني لقيت وقت كافي أصور لقطة شروق الشمس وهي بتترسم على عربيات القطر.

الساعة ٧:٢٠. قعدت في ركن مريح والقطر اتحرك في ميعاده بالظبط. القطر شبه فاضي، مفيش غيري أنا واتنين ركاب تانيين.

قعدت أتفرج على الحقول وهي لونها بيقلب دهبي وهي بتعدي من قدامي، ملفوفة بضباب الصباح ونور الشمس الدافي. منظر هادي ومريح.

فضلت أراجع خطة اليوم تاني وتالت في دماغي أتأكد إن تذاكر القطر المعايا مظبوطة. مشرف القطر عدى بعد كام دقيقة وطلب يشوف أول تذكرة. ابتسم وقال “tack” — يعني شكراً بالسويدي — مع ابتسامة صغيرة كده، بس كفاية عشان تطمني إن التذكرة صح. دلوقتي ممكن أستريح شوية.

🍃 الجزء التاني – في الطريق وفي أفكاري

٧:٥٢ الصبح. بعد اتنين وتلاتين دقيقة، وصلنا مالمو، ولقيت نفسي في محطة أول ما شفتها عرفت فورًا إني دخلت مدينة كبيرة. مشيت ورا شوية ركاب على السلم الكهربائي، ولما طلعت فوق، دخلت فجأة في موجة من مئات الناس ماشين في كل اتجاه.

كنت عارفة إني مش هيبقى عندي وقت أقف أشتري مياه بعدين في يارنا، فدخلت أول محل خدمات شُفته في طريقي، وبطريقة عشوائية اشتريت تلات زجاجات مياه وموزة. قلت لنفسي عمري ما هيبقى معايا مياه بالزيادة.

بعد خمس دقايق، دخلت القطر ولقيت الكرسي اللي حاجزاه بسهولة. حشرت الشنطة قدامي وسلّمت على إعلان سويدي هيقعد يبحلق في وشي الخمس ساعات الجايين، واتفرجت على الرصيف وهو بيبعد وإحنا بادئين الرحلة بالضبط الساعة ٨:٠٧.

قعدتي للخمس ساعات الجيين

جو القطر كان هادي ومريح – كل الناس يا نايمة يا بتقرا. وأنا بقى صحصحت خلاص، فقررت آخد لحظة أتأمل في كل اللي حوليّ: شاب قاعد في الكراسي اللي جنبي الناحية التانية، مسحول في كتاب، حافي ورافع رجله على الكرسي القصاده. قدامي زوجين لطاف قاعدين ساندين راسهم على بعض. بعد شوية، البنت شافت الكراسي اللي الشاب فارد رجله عليها فاضية وقامت تمدد هناك وكملت نومها.

الشمس داخلة من الشباك بنور دافي دهبي مهدئ للأعصاب كده… وأنا كمان مدّيت رجلي على الكرسي اللي جنبي (مافيش حد قاعد، يا سلام!) وشغلت كتابي المسموع اللي بحب كلامه: The Disappearance of the Universe للكاتب Gary Renard. صوته ومواضيعه الفلسفية عن الوعي والكون ملوا الجو بسكون جميل. كنت بضحك في سري على التوقيت والمكان الغريب اللي لاقيت نفسي فيه – بفكر في الكون وأنا محاطة بناس ماعرفهاش، وكل حاجة ساكتة ومسالمة. دخلت في حالة تأمل كده، كإني بشحن نفسي تاني… لحد ما بعد كذا محطة، دخل ميت راكب/ة مرة واحدة وراح الهدوء خلاص!

١١:١٥. حركة القطر بدأت تخليني أحس بدوخة بسيطة، فقررت أقوم أتمشى لحد الكافيه أدوّر على حاجة تصحيني — كوباية قهوة طبعًا. بعد كام عربية ومجهود في حفظ التوازن في الممر، وطابور عشر أشخاص محشورين في ممر عرضه متر، رجعت ماسكة كنز: رول حمص وكوباية قهوة سخنة. كلت وشربت بشكر وامتنان أول ما رجعت مكاني.

بصيت برة ولقيت الشمس اختفت والسما غيمت… حاجة خيبت أملي شوية بالنسبه للمشي اللي مستنيني، بس فضلت متفائلة. الأرصاد الجوية قالت الجو هيتحسن بعدين. اللي ما كنتش عارفاه إن دي كانت أهون مشكلة مستنياني في الساعات القادمة.

١٢:١٢ الظهر. على حظي سمعت صوت الإعلان في القطر بيقول حاجة بالسويدي، وأنا بالصدفة لمحت كلمة سودرتاليا. إزاي كنت هفوت المحطة؟! يا عالهبل …

في التلات دقايق اللي فاضلين، لمّيت كل حاجة بسرعة — السماعات، رول الحمص، التلات زجاجات المية اللي اشتريتهم تلقائياً، والموزة — ولبست الجاكيتات بالترتيب اللي كنت مخططاه.

الساعة ١٢:١٥ بقيت واقفة على رصيف محطة سودرتاليا — أخيراً وصلت! ودلوقتي لازم أدور على القطر البعده…

المنظر عند وصولي سودرتاليا

🍃 الجزء التالت – بداية بطيئة كبيرة

المحطة كانت صغيرة، فيها كام شخص كده متوزع في كل مكان والجو كله نَعسان شوية. اكتشفت إني عشان ألاقي القطر اللي بعده الموضوع أصعب من ما توقعت. اللافتات مش مساعداني، والأبليكيشن مش موريني القطر هيقوم من أنهي رصيف. حتى الشاشات ما كانش عليها رقم القطر اللي مكتوب عندي… هل أنا في المحطة الغلط؟

بصيت حوليَّ وبحاول أدور على حد أسأله، بس ماكانش فيه حد شكله ودود كفاية — ولا فيه مكتب استعلامات. فقط محل خدمات تاني… يووه!
وكمان أخدت بالي من اتنين رجالة مبحلقين في بنظرة نصها سخرية، فأخدت الإشارة إنّي أروح أي مكان تاني… بس مفضلش واقفة هنا.

وأخيرًا، لمحت يفطة صغيرة مستخبية آخر المحطة مكتوب عليها Pendeltåg (قطر رحلات مستمرة). بالظبط اللي كنت بدوّر عليه! مشيت ورا اليفطة في ممر طويل، وبعده سلم كهربائي أطول بكتير، نزلني على رصيف مفتوح مستخبي تحت.
أكيد هو ده… أيوا هو! ،القطر لسة مش هيوصل قبل تمانية وعشرين دقيقة… تمام!

المسار في سودرتاليا

لحظة خطر في بالي إني أروح مشي — هي محطة واحدة بس. بس نظرة سريعة على كوموت (الأبليكيشن البستخدمه لتحديد اتجاهي) قالتلي: لأ، يا فندم. خلينا نستنى لو سمحتي…
دول أربعة كيلومتر. ساعة كاملة مشي. مش مستاهلة. مش مستاهلة خاااالص قبل الخمسة وعشرين كيلومتر اللي مستنّيينّي.
فقررت أقعد وأتدرّب على الصبر.

قعدت وسبت هدوء ما قبل المشي يغمرني. فضلت أسمع الأصوات الصغيرة اللي حولي — ورق الشجر وهو بيتهز مع الهوا، إعلان صوتي كل شوية يتردد مع وصول كل قطر، وصوت الراكبة الوحيدة المستنية غيري وهي بتكلم حد في التليفون. راجعت خط سيري النهارده في دماغي، وقلت أمنية كده في صمت إن الطريق مايبقاش صعب زي ما أنا متوقعة.

بس هو بالفعل هيكون صعب، أو عالأقل أصعب من أي طريق مشيته قبل كده — ٢٥ كيلومتر ومعاهم ٤٠٠ متر ارتفاع. واللي ما كنتش واخدة بالي منه وأنا بحجز: الشمس دلوقتي بتغرب الساعة ٧:٠٠ بالليل.
في ألمانيا، لما كنت بطلع على رحلات مشي زي دي في أول سبتمبر، كان عندي ساعة كاملة زيادة من النور. الفرق ده يمكن يبان بسيط… بس النهاردة؟ لأ، ده ممكن يخلّي اليوم… مغامرة.
خلّينا نقول مغامرة.

المنظر قدامي وأنا مستنية القطر وبراجع خطة اليوم

الساعة ١:٠١ الظهر. صوت الإعلان في المحطة كرر للمرة الرابعة إن القطر على وشك الوصول. قال الجملة دي كل دقيقة خلال الأربع دقايق اللي فاتوا. وعند الساعة ١:٠٢… وصل فعلاً.

ركبت، ولاحظت بسعادة إن القطر فاضي وفيه مساحة كبيرة للقعاد. مع إن الرحلة سبع دقايق بس، بس كنت محتاجة أي راحة قبل ما أبدأ المشي. كنت ظبط الشنطة على ضهري بأكتر وضع مريح قدرت ألاقيه… بس طبعاً هي برضه تقيلة. فأول ما لقيت كرسي جنب الباب قعدت، وسِبتها تريح على الكرسي اللي جنبي من غير ما أفكها.

القطر فاضي

الساعة ٠١:٠٩ الظهر. وصلنا يارنا – أخيراً!
هو أنا أخدت قد إيه على ما وصلت هنا؟ يوم ونص تقريبًا لو هاحسب رحلة امبارح.
بس خلاص، أنا هنا دلوقتي.
أخدت نفس عميق وأنا بنزل على الرصيف وبدأت أدوّر على السلم.

الأبليكيشن أشار للناحية اليمين — سلم عالي شكله متعب. ليه سلالم كده من أولها؟ لمحت مطلع على الناحية التانية ومشيت له على أمل إنه يلف بيا ويوصلني على الناحية الالسلم كان هيطلعني عليها… بس لأ.

لقيت نفسي واقفة تحت سما لونها رمادي تقيل، جنب شارع ومحطة أوتوبيس وكام بيت صغير، وفهمت فورًا إنّي لازم أرجع تاني.
لإن المطلع طلع ما بيودّيش لأي حاجة مفيدة؛ والطريق الوحيد للناحية التانية — اللي السلالم كانت هتطلعني ليها — هو إني أطلع على طريق عالي وزحمة وأعدّي عليه. ده لوحده مجهود ٥٠٠ متر.
مفيش مهرب من السلالم.
وبرغم كده، ماقدرتش أمنع نفسي من التفكير:
طب والناس اللي على كراسي متحركة بتعمل إيه؟ بيلفّوا اللفة القاسية دي إزاي؟

وقفت أفكر، ولقيت بنتين بيبصولي باستغراب.
يمكن مستغربين من عصيان المشي المتعلقين في الشنطة… أو من الضفاير… أو من الشنطة نفسها… أو من كل ده مع بعضه مع وشي اللي شكله تايه.
ضحكت بيني وبين نفسي.
إيه موضوع التوهان ده أصلًا؟
ما أنا معايا خطة… بس جزء صغير جوايا كان متردد يبدأ.

فهمت إني محتاجة أجهز نفسياً شوية قبل ما أبدأ.
قربت من دكة قريبة، نَزِلت الشنطة، شربت شوية مية، وقلعت جاكيت الصوف اللي لابساه — الرطوبة كانت عالية، وكنت أكيد هسخن بسرعة.
خليت الموبايل على الصامت. مش عايزة أي إزعاج.
أخدت كام نفس عميق وقعدت أحمس نفسي.
الوقت جِه، الساعة بقت ١:١٥.
لمّيت حاجتي تاني وشلت الشنطة على كتافي، ومشيت في اتجاه السلالم اللي كنت بحاول أهرب منها.

المكان الكنت بجهز فيه نفسياً

🍃 الجزء الرابع – البحث عن الإيقاع المناسب

أول ما دخلت على طريق المشي حسيت بجو المدن الصناعية المعتاد: شوارع واسعة، أرصفة فاضية، مباني تجارية مكررة عليها اعلانات ويافطات بخط شكله وحش. قلت لنفسي إن دي فرصة ممتازة أتدرّب فيها على استخدام عصيان المشي — أول محاولة ليا في حياتي. وبشوية كسوف كده، حاولت ألاقي إيقاع بين إني أبان واثقة من الأنا بعمله وبين إنّي أفهم أنا بعمل إيه… وفشلت فشل كبير.

حاولت أستمد إلهامي من ست كبيرة في السن ماشية ناحيتي، ماسكة عصيان المشي وبتتحرك بسهولة غريبة. بس كانت رافعة أطراف العصيان عند مستوى ودنها… وده ماكانش داخل دماغي خالص. اكتشفت في اللحظة دي إني ماعنديش أي فكرة نظرية عن طريقة الاستخدام أصلاً. كان لازم أشوف فيديو على يوتيوب أو حاجة قبل ما أبتدي… فقررت أشيل العصيان وأرجع لها وقت تاني — مش ناقصة حاجة تعطلني دلوقتي، وكفاية دوشة العربيات اللي ماشية على طول جانبي الملخبطاني.

بعد حوالي كيلومتر ونص، كوموت (الأبليكيشن للتوجيه) وجّهني لمدخل شمال مستخبي وسط زرع كتير. وفجأة… لقيت نفسي على طريق سورملاندسليدن. وكدة أقدر أقول رسمياً إني بدأت المشوار!

المدخل لطريق السورملاندسليدن

مسار سورملاندسليدن دة مسارمخصوص للمشي مسافات طويلة ممتد تقريبًا ألف كيلومتر في منطقة سورملاند جنوب ستوكهولم، ماشي بين محميات طبيعية ومواقع ثقافية. الجزء اللي كنت ماشية عليه كان معظمه ماشي في قلب محميات طبيعية.

وبعد فترة قصيرة، لقيت نفسي بمشي فوق حشيش طويل لونه أخضر فاتح وسط آلاف الشجر. الريحة؟ منعشة، رطبة… وبشكل مضحك — ريحة فطر. قوية جدًا كمان! أخدت نفس عميق بفضول، وضحكت على غرابة اللحظة. ولما الطريق بدأ يطلع لفوق، لقيت إيدي بتمدّ تلقائيًا للعصيان.
وفعلاً، في الجو ده، فهمت إزاي أستخدمهم. وأنا بميل لقدّام وأنا بطلع، كانوا بيسندوني في اللحظات اللي محتاجاهم فيها. وفعلاً اكتشفت إنهم بيساعدوني جامد!

بعد كام خطوة تانية، قابلت مجموعة أربع شباب قاعدين على الحشيش على طرف الطريق، وواحد منهم نصه ممدد على الطريق. لحظة محرجة صغيرة… جهّزت تحية صغيرة، بس ولا حد فيهم بص لي. كانوا مندمجين قوي في كلامهم.
تمام، يمكن أحسن.

كملت وبصيت لقيت الطريق بيتغير: أرض حجرية، أغلبها متغطي بطبقة طحالب تقيلة، وسط مئات الشجر.
وريحة الفطر؟ أقوى وأقوى.
الهوا بقى أرطب، وحمدت نفسي القديمة إنها قالتلي أقلع الجاكيت. وقفت للحظة أسيب عيني تتجوّل في الأخضر الحولي.

واحد من كتير من الفطر العملاق اللي شفته

بعد شوية، وأنا واقفة على كوبري صغير سمعت أصوات. بصّيت ورايا… لقيت نفس الشباب الأربعة جايين ورايا.
هو أنا بطيئة للدرجة دي؟
حاولت أسرّع… بس هما كانوا أسرع بكتير. ولأني هابقى في طريقهم، سبتهم يعدّوا… شكروني بسرعة وكملوا.
ياااه… دول فعلاً سراع! ولا حتى معاهم عصيان.
شيء مبهِر… ومقلق شوية.

الكوبري
المنظر من الكوبري

القلق زاد لما فتحت كومّوت بعد ما حسّيت إني ماشية بقالّي ساعة وكنت متوقعة أشوف إني مشيت مثلاً خمسة كيلومتر…
بس لقيت إني مشيت بس ٣٫٢٥.
ولسة قدامي أكتر من عشرين كيلومتر.

ساعتها كان لازم أعترف لنفسي ان الطريق أصعب من اللي توقعته بكتييير…
الأرض اللي فيها ارتفاعات مبَطَأة خطواتي بشكل عمري ما جربته قبل كده.

ففكّرت نفسي: ركّزي.
صوري أقل.
اعملي استراحات أقصر.
خليكي على سرعة مستمرة.
وأهم حاجة — بلاش تِشُكي في نفسك طول الوقت.

الطريق المستنيني بعد الكوبري

بس جزء “بلاش تشكي في نفسك طول الوقت” كان أصعب حاجة.
دماغي أخدت الجملة دي وكأنها دعوة مفتوحة للهري:

“اليوم ده مش هينجح. كنتي فاكرة إيه؟”
“إنتي مرهقة والشنطة تقيلة. تخطيط فاشل.”
“مش دي الرحلة اللي كنتي مستنياها بقالِك شهور؟ فين المتعة؟”
وأسوأ واحدة:
“ولو ماوصلتيش؟ هتباتي في الغابة؟”

كل ما ألاحظ الموجة دي، كنت أقف ثواني، أبص حوليّ وأسيب هدوء الطبيعة يلمّني.
أوقات بينفع… وأوقات لأ.

٢:٤٠ العصر. عند ٤٫٥ كيلومتر خدت بريك ١٥ دقيقة، أحاول أجمع قوتي وأهدي نفسي تاني.
أنا عارفة النوع ده من الأيام، بس عارفة برضه إن الطريق الصعب مخلي الموضوغ أكبر من العادي.
فكّرت نفسي بهدوء:
محدّش غصبك. الرحلة كانت اختيارك. ولو طلعت تجربة مزعجة؟ برضه تجربة. وكل تحدّي له قيمة. وكدة كدة لسه في وقت

قفلت عينيّ… وسمعت الصمت.
ماكانش فيه أي صوت… غير الصوت اللي في مخي.

بعد شوية تمارين إطالة للكتفين وأكلة خفيفة، حسّيت إني واقفة على رجليا أحسن.
بس كنت عارفة التحدّي مش هيختفي —
وإن الحفاظ على العقلانية دي… هيشغلني الساعات الجاية.

🍃 الجزء الخامس – حبة موسيقى چاز مع أفكار مغيمة

٣:٠٠ مساءً. واضح جدًا إن ده مش اليوم المناسب للسكوت — اكتشفت ده وأنا ماشيّة وأفكاري عاملة أوركسترا من معركتي الداخلية. فبدأت أدور على أي حاجة تسلّيني وتسَكِت مخي شوية، وسبوتيفاي (أبليكيشن الموسيقى) — كتر خيره — قرر إنه يهديني بشوية موسيقى چاز. ماشي! أي حاجة أحسن من الهدوء ده.

صورة بانوراما من الطريق

والصوت طالع من جيب البنطلون، كملت استكشافي للسورملاندسليدن، متّبعة صوت كوموت الخافت اللي بيشتغل عشوائي… الطريق بيلف ويدور بين الشجر، وعلامات برتقالية حولين الشجر بترشدني، وحجر متغطي بالطحالب تحت رجليّ — كل خطوة فيها تحدّي صغير.

وبقى على الأقل استخدام العصيان حاجة تلقائية خلاص. قعدت أشكر النسخة السابقة من نفسي اللي قررت تشتريهم قبل السفر بيوم. وأنا براجع حاجتي قبل الرحلة من يومين، افتكرت فجأة إني نسيت أشتري عصيان. وكنت خلاص هاسيبهم وأقول: “مش مشكلة خلاص، هنجرب حظنا.” يا ساتر… الحمدلله إني ما عملتش كده. إني أتخيل بس إني أطلع الصخور دي من غير عصيان… ركبتي كانت أعلنت الإضراب رسميًا.

شايفين الطريق مليان حجر إزاي؟

كل ٣٠٠ متر كده، بقيت آخد بريك صغير: أنزل الشنطة، أريح كتافي، آكل شوية مكسرات وأنا ظابطة منبه ٣ دقايق عشان مافقدش السيطرة على الجدول اللي ماشية بيه. للأسف كنت حاسة بتعب شديد. والضغط الزمني مانعني أبطّأ، أو أتفرج حواليّ كويس، أو حتى آكل أكلة محترمة. والأسوأ؟ إني لسه أبطأ من الخطة الأصلية. الهوا الرطب مضايق نفسي، بس مافيش اختيار. لازم أكمل وأكمل. وأحاول أستمتع بمناظر الطبيعة وأنا بحارب الوقت.

محاطة من ألوفات الشجر
أيوا، مشيت في الإتجاه الغلط في الأول…

كل شوية ألاقي لوحين خشب محطوطين فوق بِركة مية، عشان المتجولين يعدّوا من غير ما يتغرقوا. بس اللوحين أصبحوا طريين جداً بسبب الرطوبة والمطر وبيميلوا كده على بعض وأنا بمشي عليهم… واحد ثابت والتاني لأ. بس قدرت كل مرة أعبر وأنا مركزة… شكرًا يا تمارين اليوغا الصباحية يا اللي دايماً بتساعديني في المواقف دي.

مثال للوحين الخشب البحكي عنهم
مياه عديت من فوقها
منظر تاني للوحين الخشب

٣:٥٤ مساء. كنت تعبانة بشكل سخيف، فقررت آخد بريك أطول فوق تل حجري تاني. رميت نفسي على الشنطة ومديت جسمي كله كأن الأرض هتبلعني. على شمالي سور معدني، ويميني غابة لا تنتهي من شجر وطحالب وحجر. بصيت للسماء. أخدت نفس بعمق. ببطء. آه، أنا أبطأ من اللي توقعته… بس واثقة إني هأوصل. بطريقة ما.

مكان الراحة بتاعي
المنظر من وسط السور

وبعدين — مفاجأة — السحاب بدأ يختفي وآشعة شمس دافية بدأت تطلّ عليّ. حتى وأنا في الحالة دي، المنظر قدر يطبطب عليّ ويديني زقّة طاقة صغيرة. بدأت أتخيل الصور اللي ممكن آخدها والنور لامس الشجر… بس جسمي كله بيصرخ: سرير دافي. مساج. ومن فضلك متعمليش في كده تاني…

بإرهاق شديد… لبست الشنطة تاني. ووقفت نفسي بالعافية وكملت مشي. ركبي بتوجعني ونفسي تقيل، وجسمي معترض… بس عيني على الطريق اللي قدّامي.

🍃 الجزء السادس – طب ما يمكن الغابة تبقى لطيفة للبيات… ولا إيه؟

٥:٠٠ مساء. الشمس ملوّنة الغابة بدرجات دهبي دافئة، بتحاول تطبطب عليّ شوية وتفكرّني أبص قدّامي وأصدّق إني لسه ممكن أوصل. رغم الإرهاق اللي ماسك في رجليّ والمود اللي بيهبّط على مهله، برضه لقيت نفسي كل شوية واقفة بأبص حواليا… آخد نفسين قصيرين وسط كل المجهود ده وأنا بسأل نفسي: طب ما أنا ليه بعمل كل ده لو مش هدّي لنفسي فرصة أتفرج على المنظر الحولي؟ .

بعد كام خطوة تانية، لقيت بِركة مية عريضة قاطعة الطريق. ياه للسخافة… مفيش ألواح خشب، مفيش طريق أقدر أمشي عليه. قررت أمشي على الحجارة اللي على الأطراف. شكلها ممكن تنفع. قلت لنفسي: هتقدري… طول ما في حاجة ثابتة تحطي عليها رجلك.

بدأت أتقدّم بحذر، ماسكة في الحجارة كأني متسلّقة واثقة من نفسها — وفعلاً الموضوغ مشي… لحد ما ممشيش. فجأة الحجارة القابلة للمشي اختفت، وشفت كُومة أرض كدة صغيرة طالعة من نص البِركة شكلها ثابت. فأخدت نطة صغيرة، ودبيت رجلي الشمال فيها… وللأسف: غلطة كبيرة. الأرض غاصت برجلي ولقيتها غرقانة بطين. يا خبر!

صورة للبركة ولرجلي بعد الحادثة

الحمدلله الجزمة متصممة ضدّ المية فشرابي ما اتبلش غير شوية بسيطة. بس الموقف… خبّط في مودي أكتر. حاولت أنضّف الطينة بمناديل، بس صبري ومعنوياتي خلاص بيودعوني. مشيت ١١ كيلومتر… ولسه فاضل ١٥ قدّامي. يا رب.

أول ما شلت معظم الطينة، كمّلت مشي. الغابة رجعت تكثّف نفسها حواليّا، وكل الحجرما زال متغطّى بطحالب، ولون أخضر دهبي منتشر في كل اتجاه. وفجأة — شفت حركة. حاجة لونها مختلف.إيه ده، دول بني آدمين! مشيت أسرع عشان أقرب واكتشفت إنهم نفس الشباب اللي شفتهم قبل كده. يا سلام! اللحظة دي أعرفها كويس من رحلات قبل كده — لما مجرد رؤية بشر تانيين تحسّسني إني مش لوحدي والطريق مكمل تمام. وكمان إتطمنت لما شفت اني مش أبطأ منهم أوي…

حاولت أفضل شايفاهم… بس اختفوا وسط الشجر بعد دقيقتين. وحتى بعد عشر دقايق ما عدوا ملقتلهمش أثر. إزاي؟ بدأت أتساءل… هل كنت مثلاً بتخيّلهم؟ من كتر ما نفسيتي محتاجاهم؟ بهلوس يعني؟ مقدرش أستبعد…

٥:٣٢ مساء. وصلت لملجأ خشب صغير بيبص على بُحيرة. الشمس طالعة بين الشجر ومِدِية للمية اللمعة اللي شكلها دايمًا كأنها من عالم تاني. قربت ووقفت على طرف الشط. واستوعبت الحقيقة اللي حاولت أهرب منها طول الوقت: الشمس هتغرب قبل ما أوصل. بكتييير. خلاص. مافيش إنكار. الحاجة الوحيدة اللي أقدر أتحكم فيها هي سرعتي. إن أنا أحاول ألاقي طريق برة الغابة أمشي فيه لما الليل ينزل. ماعنديش خبرة كفاية أمشي في الغابة بالليل… وكمان جسمي بيرتعش من فكرة شبك العنكبوت اللي هيتكوّن خلال الساعتين الجايين.

ملجأ الخشب الفكرت أبيت فيه

وللحظة صغيرة… سألت نفسي: طب ما ممكن أبيت هنا؟ المكان هادي. آمن. معنديش خيمة، بس عندي بطانية طوارئ، حاجة تمشي كمخدة، أكل، أقراص تنقية مياه، وبحيرة قدامي. الفكرة مغرية… لحد ما تخيلت الدنيا بجد هتكون ضلمة إزاي. والهدوء. وإني بكرة هاضطر أكمل مشي تاني… مفيش أوتوبيس قريب ولا طريق ولا تاكسي. وتليفوني أصلاً راكب على الشاحن المحمول دلوقتي ومش هيكمل يوم تاني. معايا خرائط ورقية آه… بس لأ. مخاطرة كبيرة. مفيش حل غير… إني أكمل.

قعدت عشر دقايق، آكل سناكس، وأفكّر نفسي بحاجة أنقذتني كتير قبل كده:
الموضوع إرادة. الألم… ألم. بس مش نهاية. أقدر أكمل وأنا موجوعة. أقدر أحس بالألم وأكمل مشي.

٥:٤٥ مساء. مديت ضهري بسرعة، أخدت نفس… وكملت.

🍃 الجزء السابع – الشجر اللي قدر يكسر هدوئي

٥:٥٥ مساء. طاقتي كانت ثابتة بشكل غير متوقع وأنا مكملة في المشي. كنت وصلت لحوالي ١٣،٥ كيلومتر. سرعتي معقولة. الغابة كان فيها نور كفاية يطمني، وكنت بحاول أركز في المزيكا اللي لسة سمعاها بصوت واطي من جيبي. سبوتيفاي قرر إن الهيب هوب (hip hop) هو اللي محتاجاه دلوقتي. ماشي… ليه لأ.

لحد ما وصلت لمكان الطريق بيتفرق فيه — طريق سورملاندسليدن، اللي هو طريقي الرسمي، كان مكمل ناحية الشمال، وفي طريق تاني اسمه بلا ليدن مايل ناحية اليمين. المسافتين كانوا تقريباً قد بعض، بس سورملاندسلين كان نازل لتحت وبيمشي جنب المية، فقررت أكمّل في الخطة الأصلية وآخده.

بعد كام خطوة، حسّيت إن في حاجة اتغيّرت. الغابة بقت أكثف، والهوا بقى رطب أكتر والدنيا ظلمت. عيني بدأت تتعب من قلة النور والرطوبة، بس فضلت مركزة على خطواتي… واحدة واحدة.
لحد ما لاقيت قدّامي تلات شجرات واقعين على الطريق.

شفتوا بقى… بالرغم من المصيبة الأنا كنت فيها
افتكرت برضه آخد صورة للبلوج

طلعت فوقهم بالعافية، وكل حركة كانت بتحسّسني إني بصرف طاقة تساوي عشر خطوات. وبعديهم ظهر جذع شجرة تاني، حوالينه فروع مكسّرة وملخبطة. بصيت قدامي… ولقيت الطريق قدامي مليان شجر واقع …

ماكانش فيه كلام يوصف اللحظة دي. موجة يأس عميقة عدّت جوايا. وقفت، وحطّيت إيديا على عيني، وسيبت كام دمعة تنزل — نص غضب، نص استسلام. طب أعمل إيه دلوقتي؟

إني أكمّل كان شبه مستحيل. كنت وصلت لحوالي ١٤ كيلومتر، ولسه قدّامي حوالي ١١ كيلومتر كمان. ولو باقي الطريق شكله كده، عمري ما هعرف أوصل. وفكرة إني أرجع تاني لفوق لحد بلا ليدن (الطريق التاني الكنت ممكن آخده) لوحدها كانت كفاية تخلّيني أقع من التعب هنا وسط الشجر ده كله.

وقفت شوية ساكتة بس غضبانة. غضبانة لإني بصيت على موقع سورملاندسليدن قبل ما آجي — ومكنش فيه أي ذكر للشجر اللي واقع، ولا لأي خراب من النوع ده. وده مش شكل عاصفة حصلت امبارح. ده إهمال… وبصراحة يضايق.

وفي الآخر، استسلمت لفكرة كنت مش عايزة أعترف بيها لنفسي: الوضع فعلاً وحِش… ومش قادرة أكمله لوحدي. دماغي كانت تقيلة ومليانة غضب وقلق، وكنت محتاجة صوت يهدّيني. فبمزيج من التردد والراحة، قررت أكلم حد أثق فيه. حسّيت إنها هزيمة صغيرة — الرحلة دي المفروض تبقى رحلتي أنا — بس برضه كانت خطوة سليمة.

أول ما سمعت صوت يطمني، كل الكلام الكنت كتماه خرج زي السيل. فضفضة، شتايم، كل حاجة.
“لسه قدّامي ١٤ كيلومتر، وأنا تعبانة، والطريق بجد بشع، ومفيش حاجة مستاهلة. كل الناس قالتلي: لازم السويد، لازم السويد… وهي مش مختلفة أصلاً عن ألمانيا! أنا بجد مش قادرة.”

وفي ثواني، الضغط بدأ يخف. أخدت بالي إني عملت الصح. الحمل اللي كنت شايلاه على صدري لوحدي ابتدا يتفك. مبقتش لوحدي. الأفكار اللي كانت بتمشي في دوايرفي مخي سكتت أخيراً. جسمي كان لسه رافض يكمل، بس ماكانش فيه قدامي غير إني أمشي.

فمع صوت حد بيسنّدني في السماعة، بدأت معنوياتي تترفع تاني.
وكل خطوة كانت شبه دعوة… إن الطريق التاني — الطريق البديل — يكون أرحم.

🍃 الجزء الثامن – تمشية بالليل محدش طلبها

آخر حبة شمس

٩:٣٠ مساء. الدنيا كانت بتضلم بسرعة، لكن الحمد لله إن بلا ليدن (الطريق التاني) طلع أرحم بكتير — الأرض كلها حجر متغطي بطحالب زي ما أعرفه، ومعاه أرض غابة طرية – كل ده إيقاع جسمي كان فاكره. وإن يكون فيه حد صوته مسموع في وداني غير صوتي أنا العمال شغال نون-ستوب في مخي كان عامل مفعول كبير، بيشدّني من دوامة التفكير السيئة اللي كنت فيها. وشوية شوية طاقتي بدأت ترجع، وبدأت أحرك عصايا المشي تاني بإحساس شبه ممكن يتقال عليه حماس.

بعد شوية وقفت أبص على الخريطة على كوموت بحاول ألاقي طريق بديل — طريق مفتوح أكتر وغابة أقل، حتى لو هيزوّد وقت المشي. كنت أفضل أمشي ساعة زيادة على إني أكمّل وسط الضلمة في نص الغابة أنا بنور بالكشاف على شبك العناكب والشجر اللي واقع على الأرض. مستحيل.

٦:٥٠ مساء. لقيت طريق هيزوّد حوالي كيلومتر، بس مشيته وأنا مرتاحة — هدفع التمن ده وأنا مبسوطة. كان فاضل حبة نور بسيط… يمكن عشرين في المية… ولسه حوالي تسعة كيلومتر. ومع كل خطوة كان الشك ماشي ورايا زي ظلّي، بس كنت متمسكة بإيماني إني هكمّل.

٧:٣٠ مساء. ارتحت تاني لما الطريق قلب أسفلت ولقيت نفسي بجانب شارع. مين كان يصدّق إنّي هفرح أشوف عربيات؟ الطريق كان هيزود كمان حوالي كيلومترين، بس أحسن ألف مرة من الغابة في الضلمة. السما كانت لسه مديّة خيط أزرق رفيع… يمكن خمسة في المية نور. العربيات كانت بتعدّي كل فترة، وأنوارها كنت حاسّة كأنها مخلوقات فضائية بتزورني ثواني وتمشي.

وقتها أدركت إني عمري ما عملت كده — إني أتمشى لوحدي بالليل في مكان بعيد كده ومعرفوش. كنت دايماً عايزة أجرب، بس أكيد مش بالشكل ده. بس قلت لنفسي أهي على الأقل دي تجربة… قصة هتبقى حلوة بعدين… بس الفكرة جت وراحت في ثانية… لإن كل تفكيري كان في إن كل حاجة كانت بتوجع. جسمي كله كان شغال على “بطارية احتياطية” زي ما بيقولوا عن اللابتوب لما خلاص هيكون هيقفل.

قررت إنه لو عربية وقفت وعرضت مساعدة، هقول آه. بس ولا عربية وقفت. ولا واحدة حتى قلّلت سرعتها.
طب أنا شكلي واثقة من نفسي للدرجة دي؟ يمكن. وبصراحة، فكرة إني أوقف حد كانت صعبة علي. وطالما ماوقعتش على الأرض ورجلي قالتلي “كفاية” ومقامتش تاني، مش هقدر أطلب مساعدة. أنا اخترت الطريق ده، واخترت المخاطرة. التعب والغضب والألم جزء من الاتفاق. وبرغم كل ده، كنت لسه مصدّقة إني هوصل — زعلانة، منهكة، آه… بس هوصل.

٨:٠٠ مساء. فاضل سبعة كيلومترات. حاولت أطمن نفسي: “هي بس زي ما أكون ماشية من شرق برلين لغربها” عادي. عملتها قبل كده.
بس… مش بعد واحد وعشرين كيلومتر، ولا وأنا شايلة جبل على ضهري.
ومع ذلك… قابلة للتحمّل. “ده مجرد مشوار في برلين” — حاولت أخليه شعاري الجديد.

السما كانت حوالي تسعة وتسعين في المية ضلمة. الواحد في المية الباقيين كانوا بسبب النجوم. مافيش أعمدة نور هنا. أخدت بالي إني مش باينة وولّعت كشاف الموبايل — عشان أشوف الأرض، وعشان العربيات تشوفني. هدومي ماكانش فيها أي حاجة عاكسة للإضاءة، فالبقعة الصغيرة دي من النور بقت منقذة حياتي.

الشجر كان شكله مختلف تماماً تحت نور الكشاف. مافيش أي سحر، مافيش أي رومانسية. كان زي هياكل، مشوّهة، متغيّرة مع الشعاع. مبقاش فيهم حاجة حلوة. حسّيت نفسي ماشيّة في فيلم رعب أنا مش مفروض أبقى فيه. حاولت أركز في الطريق، بس كل شوية تفاجئني لافتة بتعكس الضوء — وأفتكرها شخص واقف وقلبي ينط.
اتنفّسي… اتنفّسي.

٩:٠٠ مساء. فاضل تلاتة كيلومتر.
التعب ماكانش بس في جسمي — كان وصل لحاجة أعمق، كإنه احتجاج كامل من كل خلية في كياني. بس عقلي كان فيه جزء صغير منه مستخبي كان عارف إن اليوم دة هيبقى ذكرى غالية بعدين.
بس دلوقتي؟ كان عذاب بصراحة. اختبار إرادة بطيء ومنهك.
ماشيّة بقالى ساعتين ونص من غير ما أقف، ومحبوسة في دوّامة: “كمّلي بس… كمّلي.”

كل تفصيل صغير كان بيخلّيني أتوتر. أي فرع بيتحرّك، أي شكل في الضلمة — كله بيبعت شرارة أدرينالين في جسمي. طاقتي كانت مشدودة على آخرها، الحبة الفاضلة متوزعة على خطواتي ومواجهة الخوف.
وعقلي، كالعادة، اشتغل بالطريقة المش لذيذة — فكرني بكل أفلام الرعب اللي عمري ما كان لازم أشوفها واللي صورها حبكت تطلعلي في مخي دلوقتي.

وبرغم كل ده… كملت.

🍃 الجزء التاسع – أطول كيلومتر في حياتي

٩:٣٠ مساء. فاضل كيلومتر واحد.
ظلمة الشجر اختفت، ولقيت نفسي تحت سما واسعة كلها نجوم.
كان هدوء غريب… هدوء حولي في كل مكان.
وقفت لحظة أستوعب إني هنا — إني لسة واقفة على بعضي — وإن حولي منظر بهذا الجمال.
بالرغم من الألم حسيت إن اللحظة دي زي حضن.
أنا… والليل… وصمت مفروش فوقه آلاف النجوم اللي مش فارقة معاها شكاويي.
منظر لا بشوفه بالشكل ده في برلين ولا في القاهرة.
وبرغم الوجع… حسّيت بشعور امتنان صغير في صدري.

٩:٤٥ مساء. فاضل ٦٠٠ متر. فضلت ماشية وأنا ماسكة دموعي بالعافية
فاضللي مسافة صغيرة جداً مقارنة بالباقي… لكني كنت حاسة إنها مبتنتهيش.
كل خطوة كانت صرخة صغيرة وجسمي كله بقى عبارة عن كتلة وجع واحدة.

آخر خمسة في المية طاقة عندي كانت شغّالة في رقصة يائسة اسمها: “كمّلي، قربتي، هانت خلاص…”
بس كمّلي… كمّلي.

٩:٥٠ مساء. لقيت نفسي اتبلعت وسط ألوفات الأشجار تاني ومحاطة من الضلمة في كل ناحية. بس الحمد لله إن الطريق كان واسع ومترتّب.
كنت عارفة إن الكابينة جنب بحيرة، مستخبية وسط المتاهة دي. ولما لمحت نور ضعيف عن بعد، حسّيت بنبضة أمل. قربت… ولقيت لمبات صغيرة مدوّرة متعلّقة على سور.

الخريطة بتقول إني خمسين متر بعيدة من المكان — بس مش شايفة حاجة.
ساعتها اكتشفت إني وقعت في غلطتي المفضّلة تاني: حطيت الدبوس في الخريطة على مكان بالتقريب، مش على العنوان بالظبط.
تنهدت بغيظ… وعدّلت العنوان… وعلى حظي إكتشفت إن الكابينة كانت قدامي ب٢٠٠ متر بس.

٩:٥٥ مساء.
وصلت للمخيّم، بس مكنتش شايفة ولا بني آدم… أحسن برضه علشان منظري المحرج ده. ماشيّة بعرج بين الكبائن المختلفة، وحسّة إن آخر نقطة صبر عندي راحت.
كنت هموت وأمدد على الكنبة وأنام. حتى مدّ إيدي للموبايل كان بيوجعني.
فبدأت أدور على الكابينة من ذاكرتي لصور Airbnb.
ولقيت واحدة شكلها مألوف — خشب، وسلم… يمكن هي دي.
طلعت السلم، بعتذر لرجلي حرفياً، ولما وصلت للباب… ملقتش بوكس المفاتيح… يوووه
نوّرت بالكشاف من بره الإزاز… وجمعت إن دي الكابينة الغلط. والحمد لله فاضية.

فجأة — حاجة خبّطت جامد في رجلي ونطّيت لورا وقلبي نط نطة كبيرة..
ولقيت… بس قطة برتقالية لطيفة عايزة شوية اهتمام.
“أهلاً… يا حلوة…” قلتها بنص ضحكة ونص صدمة.
قعدت تدعك في رجلي تاني وكأنها عارفة إني محتاجة اللحظة دي… فنزلت على ركبتي وطبطبت عليها، وسمحت لنفسي بدقيقة الراحة الصغيرة دي… وبعدين نزلت السلم تاني.

١٠:٠٠ بالليل.
وهنا… لقيت الكابينة الصح. عرفتها من علم سويدي ضخم متعلق من البلكونة.
طلعت السلم تاني — بالراحة، وتاني باعتذر لركبي.
كتبت الكود… فتح البوكس… وقع المفتاح في إيدي. كنت هعيّط من الفرحة. الباب فتح من أول مرة.
وفي نور الكابينة الدافي… قفلت المكالمة بامتنان… رميت الشنطة… ووقعت على الكنبة. ومددت… لحد مالوقت وقف.

“وصلت.”

〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️

🍃 لو قريت/ي لحد هنا، شكرًا بجد.
كنت عارفة إن اليوم ده كان أتقل وأسخف من أغلب المشاوير اللي كتبت عنها قبل كده، ويمكن حتى كان صعب شوية في القراءة. بس النمو واكتشاف النفس عن طريق تحديات جديدة علي دايمًا جزء كبير من سبب إنّي بمشي لمسافات طويلة وبحُطّ نفسي في ظروف مش سهلة… وده معناه إنّي أتعلم أتقبل إن مش كل رحلة بتكون حلوة ومليانة شمس.
ولأن برضه الصدق هو قيمة بحب أستعين بيها في كتابتي، كنت حاسّة إن تحلية الحكاية دي أو تلميعها كان هيبقى غلط ومش حقيقي. بس لما رجعت أبُص على اللي حصل، فهمت إن التجارب دي هي اللي بتسيب أعمق الأثر، ودروس حياة مهمة… علشان كده كتبت الفصل ده بامتنان ومن غير أي ندم على اللي حصل.

بوعدك/ي إن الأيام الجية أحلى أو على الأقل مش هتكون أفكاري مغيمة كده. 🌞

شكرًا إنّك مشيت/ي معايا… ونفسي أسمع رأيك. 🙌

〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️

نظرة سريعة على إحصائيات الرحلة:

🥾 المسافة المقطوعة: 27.9 كم
⏱️ وقت الحركة: 7 ساعات و 12 دقيقة
🏃🏻‍♀️ السرعة المتوسطة: 3.9 كم/ساعة
⛰️ الارتفاع المقطوع: 370 م

إحصائيات أكثر تفصيلاً على كوموت (إضغط/ي على الصورة للانتقال إلى المسار):

〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️


البوست الجاي هيكون جاهز كمان٢-٣ أسابيع — خليك/ي على إتصال !

🖼️ ولو عجبتك الصور ونفسك في واحدة مطبوعة أو عايز/ة تستخدم/ي أي صورة كـخلفية للموبايل أو اللابتوب، ابعت/ي/لي رسالة! 🫶

〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️


Discover more from Walking with Wolves

Subscribe to get the latest posts sent to your email.

2 thoughts on “«وبعدين… لقيت نفسي في السويد»

Please leave a comment – I'd love to hear your thoughts!