«وبعدين… لقيت نفسي في السويد»

٨ أيام من المشي والأحلام والتوهان في السويد (اليوم الثالث)

أهلاً بيكم في بوست جديد عن رحلة التنزه بتاعتي في السويد في سبتمبر ٢٠٢٥!

بوست النهاردة بيحكي عن اليوم الثالث في رحلتي — يوم هادي شوية، وروحه أخف من رحلة إمبارح.
يوم مليان خطوات محسوبة، عضلات لسة بتعيّط شوية، ضباب مطر، لحظات دهشة ساكتة… وضحك مش معمول حسابه.

تعالوا نتمشى مع بعض ونستمتع بالتفاصيل الصغيرة اللي بتدي كل رحلة طعمها…
ولو حسيتوا انكم عايزين تضحكوا على مغامراتي… ولا يهِمُّكم — خدوا راحتكم 😁

مدة القراءة: حوالي ٢٠ دقيقة

〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️

٢١ سبتمبر ٢٠٢٥ – اليوم الثالث
من غنيستا إلى فاسبي 🌧️

🍃 الجزء الأول — محاولات تصالح مع عضلاتي

٠٣:٠٠ فجراً.
هو أنا فين؟ إيه اللي جابني هنا؟

صحيت على ضلمة كحل وبحاول أفهم أنا نايمة فين وبعمل إيه هنا. بس جسمي فكرني أسرع من مخي:
حسيت بوجع ثقيل وتعب أثقل في كل منطقة في جسمي…

بصيت على الموبايل ولقيت الساعة لسه ٠٣:٠٠ الفجر.

… يا خبر. لأ طبعاً، مينفعش أصحى دلوقتي!
ضميت نفسي في البطانية زي بوريتو بشري وحاولت أسَكِت أفكاري اللي عمالة تجري ماراثون في أكتر وقت مش مناسب.
لازم أنام تاني… لازم أشحن قبل ما أكمل رحلتي بكرة… بكرة اللي هو يعتبر بدأ من ثلالثة ساعات

قفلت عيني وحاولت أهدى وأفكر نفسي إن أنا بأمان وكله هيعدي على خير.

فتحت عيني بعدها بشوية (أو يعني ده كان إحساسي)… ولقيت الدنيا منوّرة!
مديت إيدي بالعافية للموبايل اللي على دولاب خشب قدامي.
٠٧:٠٠… ياااه للراحة اللي الرقم ده قدر يحسسني بيها! 🙌

فجأة كل ذكريات امبارح رجعتلي:
الطريق اللي دمَّر نفسيتي ورجلي، دخلة الكوخ الساعة ١٠ بالليل وأنا ماسكة الدموع بالعافية، ووقوعي على الكنبة كإني محتاجة إعاشة… وبعد ربع ساعة بالظبط قيامي بالعافية أعمل حاجة دافية آكلها.

وأحلى لقطة؟ إني أكتشف إن لازم أطلع للسرير بسلم!
دلوقتي؟ بجد؟
كل خطوة حسيت ركبتي خلاص هتودعني للأبد.

بعد السحلة دي حاولت أرجع أفكاري للحاضر وأنا لسه في السرير… فكرت نفسي إن النهاردة يوم جديد… ويا ترى جسمي عامل إيه دلوقتي؟

بدأت أقوم بالراحة… زقيت نفسي بالراحة لطرف السرير، وحطيت رِجل على أول درجة من السلم… وتاني رِجل… وواحدة كمان
أوكي، في وجع… كتير… بس بالرغم من ذلك أخدت بالي إني أحسن بكتير من امبارح! يمكن ٦٠٪ أحسن.
ده كان كفاية يديني أمل إني أقدر أكمل مشي النهاردة كويس.

وبالرغم من هذا الإكتشاف لقيت أفكاري مش متعاونة أول ما بدأت اليوم بجد… أو حاولت بالمعنى الأصح.
الفطار والقهوة أخدوا سنة علشان أعملهم… وكل شوية ألاقي نفسي ماسكة الموبايل بلا هدف.
ولما أخيرًا عملت القهوة… وقعت البُن كله على الأرض 🤦‍♀️

المحاولة التانية نفعت… بس بالعافية
واضح اليوم من أوله

قررت أطلع أشرب القهوة بره — مع إن الدنيا برّه مغيّمة جداً وخشب التراس مبلول من المطر، حسيت إن جزء مني محتاج هواء بارد يصحصحني… وجزء تاني محتاج يختبر الجو كده على خفيف قبل ما أبتدي رحلتي.

قعدت على كُرسي رَتّان من غير مخدة وفضلت أتفرج على الدنيا وأحس بكل التفاصيل الحولي.
ريحة المطر لسه في الهواء… والبرد منعش.
المخيم ساكت خالص… كإن مفيش غيري

قعدت أتفرج شوية على العصافير: اتنين قرقف أزرق (أيوا اسمه كده بجد) ، عصفور حسون (آه والله اسمه كده برضه)، واتنين ورشان (حمامة شكلها مختلف عن النعرفها، دوسوا على اللينك وهتشوفوها).
عايشين حياتهم عادي… حتى مع صوت ضرب نار مسموع من بعيد في الغابة.
قلت لنفسي: لو العصافير دي مش متضايقة من الصوت… أنا أتضايق ليه؟ مليش عذر…
افتكرت نفسي وأنا صغيرة… لما كنت بقول في المدرسة إن حلمي لما أكبر أبقى مراقبة طيور، بعد ما “دكتورة بيطرية” قعدت كتييير من السنين قدام.
فعلاً مراقبة الطيور حاجة مريحة للأعصاب جداً…

بعد تقريباً خمس دقايق من تأمل الطيور وجهت نظري للدُش اللي برّه (أيوه… فيه دُش برّه!)
وقعدت أفكر… أدخل… أو بالمعنى الأصح أخرج أستحمي؟

كنت ناسية أصلاً إن المكان ده فيه دُش برّه وحاولت أفتكر هو أنا كنت فاكرة إيه وأنا بحجز المكان ده لآخر شهر سبتمبر؟…
بعدين افتكرت: دي كانت بني آدمة ثانية مأنتخة في مصر اللي حجزت… في درجة حرارة ٣٥° والبحر قدامها.
طبعاً ١٣° ماكانتش في التخيل خالص وقتها.

بس أهو… كلها خبرة جديدة

🍃 الجزء الثاني – منظر الغابة البانورامي بالبخار

٠٩:٠٠ صباحاً.
بعد ما القهوة والهواء المنعش فوقوني شوية، أخدت القرار إني هجرب الدُش اللي برّه. الجو كان برد لكن الهواء مليان ريحة حلوة… ريحة أوراق صنوبر مبلولة، عشب نظيف، وطينة رطبة. ماقدرتش أقاوم فكرة الدش وسط الريحة دي، تحت السماء وهي مرسومة زي لوحة فوق راسي، ووسط منظر الأشجار البانورامي ده. كمان عضلاتي كانت محتاجة مياه سخنة تفك الشد اللي لسه حسة بيه من امبارح. بصراحة… ماكنتش حاسة إن إمكانية إني أقول لأ كانت موجودة أصلاً.

بحماس، جهزت نفسي للمغامرة الصغيرة دي. المشكلة الوحيدة؟ مش لاقية أي فوط… إيه الحكاية؟ بصة سريعة على Airbnb أعطتني الإجابة… فعلاً الحجز مش متضمن فوط. ولا حتى ملايات… ثانية كده! ولا حتى ملايات؟ يعني إيه

بصيت على اللحاف والمخدات… فعلاً، مفيش ولا حاجة مغطياهم. كان لازم أجيب معايا… تمااام. كويس جداً إني كنت تعبانة بالليل وماخدتش بالي… لو كده كنت هنام على الكنبة. آسفة مسبقاً للهوست والضيف اللي جاي بعدي…

بالنسبة للفوط: أعمل إيه دلوقتي؟
قعدت أدور حولي… وملقيتش حل غير إني أستخدم فوطتين لليد صغننين جداً، طولهم حوالي ٣٠ سم.
أوكي… نقدر نعملها. أكيد ده أحسن من إني أنشف جسمي بورق تواليت، صح؟

بعد عشر دقايق من التجهيز النفسي بقيت أخيراً واقفة تحت الدُش وحاسة بسعادة ممتعة جداً. المياه السخنة نازلة على عضلاتي ومدفياهم كإنها بتحضنهم… وأنا مستمتعة بمنظر السماء والأشجار حولي جداً… والبخار الكثيف في الجو البارد عامل تفصيل جمالي رائع. قفلت عيني وأخدت وقتي، وسيبت الدفء يلمسّ كل جزء تعبان من جسمي — شعوركان فعلاً روعة.

كمان أخدت بالي إن ريحة المياه كانت مميزة جداً، بس بطريقة حلوة… أقرب وصف قدرت أفكر فيه: ريحة ملايات مكوية بس مع شوية ريحة طبيعة. متسألوش ليه… بس الريحة دي مع الهواء الخفيف عملتلي إحساس كده بحضن دافيء مع شحنة طاقة إيجابية.

خلصت ونشفت نفسي بالفوطتين الصغيرين، ولسه حاسة بدفء رغم ١٣°… ورجعت على جوه وأنا مستمتعة جداً ومبسوطة إني قررت أجرب.

🍃 الجزء الثالث – تحضير بعناية ومقاومة شديدة

١٠:٢٠ صباحاً.
كملت تجهيز لليوم، ولاحظت قد إيه أبسط الحاجات عمالة تاخد مني وقت… بس ملقتش قدامي حل غير إني أقبل بكده.
مهم إني أبدأ اليوم وأنا متحضّرة كويس ومستريحة قد ما أقدر.

قعدت وفتحت الموبايل لمراجعة الخطة… الخطة الأساسية كانت إني أمشي ٢١ كم على طريق كنت فعلاً متحمسة عليه جداً. بس مغامرة إمبارح علّمتني أكون واقعية وأخف على نفسي. فبشوية مقاومة، قعدت وعدّلت الخطة بحيث إني أمشي ١٧ كم بس… يعني ٤ كم أقل. مش كتير، بس هيوفروا ساعة كاملة من المشي. ولما تكون/ي تعبان/ة، فرق الساعة ده بيفرق بجد.

كجزء من التحضير الجديد، قررت برضه أجرب شريط الكينيسيولوجي لأول مرة. هو شريط قطن مطاطي، فيه لاصق، المفروض يكون بيساعد العضلات والمفاصل من غير ما يقيّد الحركة. الرياضيين وأخصائي العلاج الطبيعي بيستخدموه لتخفيف الألم وتحسين الدورة الدموية ومساعدة العضلات. عمري ما استخدمته قبل كده، ومش متأكدة لو وهم ولا فعلاً بيجيب نتيجة… بس كنت جايباه معايا إحتياطي وحسيت إن النهاردة يوم مناسب جداً أجربه فيه.

بحبة ذكريات يا دوبك قادرة أستوعبها من فيديو على يوتيوب، لصقت الشرائط على كتفي وفخذي وركبتي وكواحل رجلي. حتى لو مكنش هيعمل فرق، على الأقل جربت. وأهو مديني احساس بإني بقيت حريفة…

بستظرف… 😏

١٠:٣٠ صباحاً.
لدهشتي لقيت مستضيفة المكان اللي جاي بتعرض علي تقابلني في نصف الطريق بالعربية و تاخدني أبدر شوية أول لما قلتلها إني جايه على رجلي. أول رد فعل لي؟ طبعاً رفض… حسّيت كأني بستسلم. بس صوت هاديء في دماغي قاللي: بلاش عند… دي هدية صغيرة. خديها وريحي نفسك… ما انتي لسة قدامك أيام مشي كتير!
فبمزيج من تردد وخجل، قبلت عرضها. اتفقنا نتقابل في قرية اسمها ريناس على بعد ١٣ كم بدل ١٧ كم.
ده بالنسبة لي حل وسط لذيذ: لسه في مسافة طويلة كفاية أمشيها، بس مش لدرجة إن طاقتي ترجع لنقطة الصفر.

إرتحت بهذا القرار وكملت تجهيز… بس برضه أخدت وقت طويل جداً لحد ما حسّيت إني جاهزة كل شوية أعيد التفكير في تفاصيل كثيرة قوي… مش أحسن أعمل شوية تمارين ثانية؟ وآخد دواء مسكن؟ وآكل فطار ثاني… طب أشرب قهوة ثانية؟
كمان حبك يشغلني حاجة مش وقتها خالص: اتنين دبابير دخلوا الكوخ وتاهوا توهة سيئة ومعرفوش يطلعوا غير بعد ييجي ثلث ساعة… وأنا مضطرية أستناهم يخرجوا علشان أقفل الشباك وأكون مطمئنة إن صاحبة المكان متعضش على واحد بالغلط مثلاً ويبقى الموضوع… مش لطيف.

وأخيراً… الساعة ١١:١٥ ظهراً حسّيت إني جاهزة أسيب المكان وأبتدي رحلتي.

وداعاً يا كوخ يا صغير… و شكراً إني قدرت أحتمي بيك بعد يوم صعب كده.

🍃 الجزء الرابع – خطوة خطوة، بالراحة بالراحة

النزول من على السلم طبعاً كان مغامرة، لكن عدت على خير. وأهو حسيت بشوية مساچ خفيف في عضلاتي من الشرايط العلى رجلي… علامة كويسة!

بعد ما نزلت ولقيت نفسي واقفة على حشيش ورحلتي أخيراً بتبدأ بصيت بصة حولي… برضه مش شايفة حد خالص. جميل جداً!
فتحت كوموت (الأبليكيشن البستخدمها للتوجيه) وبدأت تسجيل الرحلة… وعمالة أقول لنفسي إن النهاردة هيكون يوم أحسن وأخف من إمبارح.

الجو أبرد شوية دلوقتي وحسيت بنسمة لطيفة بتسلم علي وعلى الشجر. بدأت أمشي على شارع معمول من ظلط وأخدت بالي إن ده نفس الشارع الأنا مشيته امبارح بالليل في عز الظلام ومنتهى اليأس… ياااه! قد ايه حسيت إن نفسي الإتبهدلت امبارح دي بعيدة دلوقتي وأنا باخد خطواتي في ضوء النهار… كويس، كويس. خلينا مركزين في القدامنا أحسن.

وصلت لكوبري بيعدي فوق مجرى مائي وطبعاً وقفت أتفرج على المنظر— ناحية مفروش فيها زنبق مائي على سطح المياه والناحية الثانية مليانة قصب. وكمان شفت شجر جذوره بارزة فوق المياه… منظر مميز! وعلى بعد شوية شفت مركب عليها شخصين بيبصوا على حاجة في المياه بس معرفتش أفهم بيبصوا على ايه بالظبط. ويلا بينا نكمل!

كملت مشي وأنا ساندة على عصيان المشي بتاعتي كمساعدة صغيرة. المشكلة إني حسيت بألم في إيدي من إستخدامي الشديد للعصيان امبارح — كنت ساندة عليهم جامد وأنا بمشي بالعافية في الآخر… بلاش أستخدمهم النهاردة؟

غيرت رأيي في خلال دقيقتين من تجربة المشي من غيرهم. مش هينفع خالص. حسيت بفرق الوزن على ركبي على طول وأخدت بالي إن الموضوع مش مستاهل… أحسن إيدي توجعني عن ركبي — بما إني لسة هحتاجهم بشدة الأيام الجية.

من حين لآخرألاقي عربيات بتعدي جنبي وأنا بحاول أكمل مشي بسرعة ثابتة. إكتشفت إن المشي على الشريط الرفيع من التربة على طرف الشارع أريح بكثير على رجلي من المشي على الظلط المستواه بيتغير مع كل خطوة — درس مفيد جداً… طول ما فيه تربة يتمشي عليها.

١١:٤٥ صباحاً.
بعد قليل من الوقت لقيت نفسي ماشية بجانب حقول ممتدة لمسافات بعيدة جداً وحسيت بإرتياح زي ما أنا متعودة أحسه عند مشاهد زي دي. بحب أشوف مناظر مفتوحة والسماء تكون باينة فيها — زي في الصحراء أو البحر برضه.
أخدت نفس عميق وخليت المنظر يفوقني شوية… كل ده وأنا بحاول أطنش لإكتشافي بإن الدنيا بدأت تندع… المفروض تمطر جامد النهاردة.

بس طول ما الدنيا تمام هستغل الفرصة إني أخلي عيني تسيح في المناظر الجميلة البتقابلني في كل اتجاه وفي تفاصيلها: حزم القش، بقر، خيول متوزعة على الساحة الواسعة القدامي.

عشان مخليش أفكاري المتعبة تاخد راحتها قوي شغلت موسيقى تشاركني اللحظات دي زي امبارح… لقيت سبوتيفاي بيقترح علي أولديز (أغاني أيام زمان) وشوية إيندي (موسيقى مستقلة) كموسيقى تصويرية لهذه اللحظة… وماله؟ حلو برضه. ما هي الرحلة كلها عبارة عن الخروج من مجال الراحة بتاعي. وأي موسيقى أكيد أحلى من صوت العربيات!

🍃 الجزء الخامس – ناخد نفسنا من حبة ريحة قش

١٢:١٥ بعد الظهر.
المطرة زادت شوية، فقررت آخد استراحة صغيرة عند تقاطع وألبس الجاكيت بتاعي. هيبقى إحساس وحش قوي إني أتبل وآخدلي برد كمان… بالذات لو دي حاجة ممكن أتجنبها بسهولة. فلبست الجاكيت وكملت مشي الساعة ١٢:١٨ بعد الظهر.

عند مسافة ٣،٥ كيلو لقيت قدامي حظيرة حمراء كبيرة قدامها كزة حزمة قش ملفوفة ببلاستيك أبيض. عجبني على طول ثقة المُلّاك في الدنيا وإنهم سايبين باب الحظيرة مفتوح على الشارع كده. الباب بجد ضخم — ييجي أربع متر مثلاً. جوه الحظيرة فيه قش أكثر وأدوات مختلفة متوزعة على المكان جوه. أدخل أتفرج طيب؟ حسيتهم بيقولولي اتفضلي…

بصيت في الإتجاه التاني ولمحت جنينة صغيرة مفتوحة ومعتنى بيها كويس ومفيش حوليها سور. في نصها شجرة جميلة وحبة حجر متوزع تحها في دايرة… فقررت آخد استراحة محترمة هنا وأعيد التفكير في خطتي. قعدت على حجرة منهم وأخدت نفس عميق من الهواء المنعش قبل ما أفتح موبايلي وأتسحل في أفكاري.

بما إني اتفقت مع صاحبة المكان الجي إني أقابلها عند ريناس الساعة ٠٣:٠٠ بعد الظهر جمعت إني غالباً مش هلحق أوصل. لسه فاضل لي ٩ كيلو أمشيهم في ساعتين ونص بس. وأنا للأسف أبطأ مما توقعت…

افتكرت إنها اقترحت علي تجبني من عند المطار المركزي وأخدت بالي إن ده هيوفر تقريباً ٤ كيلو… مش سيئ. بس طبعاً حسيت اني بتدلع فقررت أراقب سرعتي شوية كمان وأقرر عند الإستراحة الجية لو أكتبلها.

بعد ربع ساعة من الإستراحة قمت وكملت مشي على الطريق المخصص للمشاه. لقيت نفسي بعدي جانب حقول تانية وبعدين بدخل غابة صغيرة الطريق فيها مليان شجيرات. مفيش بني آدم واحد قابلته في طريقي… فقط بسمع أصوات عربيات عن بعد وأصوات غريبة الشجر بيعملها. كل شوية أسمع صوت يفكرني إن فيه عربية بتقرب وهتعدي جانبي فآجي أوسعلها بس أول ما ألف ملقيش حاجة… يطلع كل مرة صوت الهواء بيلعب مع الشجر. كل مرة أقع في الفخ ده.

بعد مشي كيلومترين تانيين لقيت نفسي محتاجة إستراحة تانية. جسمي وجعني ومحتاج حنية وصبر كتير. فدورت على مكان هادي جانب الممشى باصص على حقل وخليت نفسي أترمي على الأرض… فيه نسمة خفيفة في الجو لكن مش برد أوي. 

بعد ما أكلت سناكس وأخدت لي سلفي أو اتنين حاولت أقوم وأكمل مشي… حاولت بالمعنى. لقيت إني بعافر جداً في القومان. حاولت أزق نفسي لفوق بإيدي لكن ركبي مش راضية تستجيب. مع كل محاولة أقع لوراء تاني… يووه! 

أخدت بالي اني لازم أخد بالي من الوضعية اللي هقعد بيها المرة الجية، بحيث انها تكون وضعية أقدر أقوم منها بسهولة. طبعاً ده بس اليومين دول وأنا مرهقة كده… على ما أرجع لطبيعتي. ومع شوية تركيز عرفت أقوم وأكمل طريقي وضحكت وأنا بفكر إن الرحلة دي مش هتصغرني في السن.  

بعد كام خطوة زيادة لقيت منظر الأرياف الأنا حافظاه بيصالحني على التعب الأنا فيه… قدامي خيل بياكل حشيش بإستمتاع ولا مبالاه، بقر بيتفرج علي بفضول وبراح حولي في كل إتجاه. 

بعد شوية لقيت نفسي بعدي فوق طريق زلطي تاني بيعدي من وسط حقلين… طبعاً مع منظر القش المألوف وحظيرة تانية لونها أحمر. لاحظت إن كل الحظائر العديت جانبها لونها أحمر. قلت لنفسي أحاول أفهم ليه بعدين.

دورت على السبب وأقدر اقولكم الآتي: الحظائر السويدية بتتدهن تقليدياً باللون الأحمر البيسموه “falu” وهو صبغة مشتقة من منتجات ثانوية لمنجم النحاس الاسمو “falun”. المنجم ده كان بينتج تقريباً تلتين من إحتياج أوروبا للنحاس وفضل شغال تقريباً ميت سنة لحد ١٩٩٢… وبعدها أصبح أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو. اللون الأحمر ده بقى مليان حديد وبيحمي المباني الخشبية من التعفن والطقس القاسي في الشمال، وكمان بيشبه واجهات الطوب الأحمر الأوروبية الراقية لأن اللون ده بيستخدم في الأصل في القصور وما يشبهم… وأصبح بقى متاح للسويديين البسطاء في القرن التاسع عشر. وده خلاه يبقى ركن أساسي للهوية الثقافية السويدية. 

كملت طريقي ونفس المنظر الريفي متابعني في كل مكان… لحد ما وصلت لطريق طويل بيعدي مابين حقلين. في اللحظة دي حسيت إن معنوياتي ضعيفة جداً. كل مرة كوموت يقوللي “كملي مشي في الطريق ده كمان كيلومتر” أحس بدفعة إحباط، بيزيد كمان مع إدراكي إن سرعتي بطيقة جداً.  

أخدت بالي اني مشية بسرعة ٢٬٥ كيلومتر في الساعة… ده كمان أبطق من سرعتي امبارح وأنا عند كيلو ٢٧. وقفت في نص الطريق، أخدت نفس وسألت نفسي: هو ليه الموضوع صعب كدة؟ أنا بعمل إيه غلط؟
قررت إني لازم أعمل كل الأقدر عليه علشان أريح كويس لما أوصل وأقدر أخفف الطريق على نفسي بكرة والأيام الجية.

٢:٣٠ بعد الظهر.
 أخدت استراحتي الأخيرة فوق قطعة حشيش على طرف الحقل. نزلت شنطتي وخليت نفسي أقع فقيها وعيني عائمة في السماء المغيمة. إحساسي بيتمرجح ما بين اليأس والرغبة في الإستسلام. بس الإستسلام مش إختيار بالنسبة لي. فقفلت عيني شوية وسبت أفكاري تتفسح. 

بما إن الوقت بيجري والضغط بيزيد عشان معاد مقابلتي مع صاحبة المكان قرب، قررت أوفق على اقتراحها وأسألها لو ممكن تاخدني من عند المطار المركزي. المطار تقريباً على بعد ١٬٥ كيلو من هنا وأنا خلاص قبلت الموقف وعرفت اني مش هلحق أوصل ريناس الساعة ٣:٠٠… 

لفرحتي لقيتها بترد علي بسرعة وبتقولي إن مفيش مشكلة خالص وإنها ممكن تقابلني هناك في ربع ساعة. تمام جداً! ده بالظبط الدافع الأنا محتجاه دلوقتي عشان أقوم وأكمل مشي. 

🍃 الجزء السادس – من شبورة عقلية لشبورة مطرية

لبست الشنطة ومسكت العصيان وكملت مشي بسرعة ثابتة قد ما أقدر. لقيت مجموعة رجال راكبة عجل معدية جانبي، كلهم ماشيين في خط وراء بعض. أول واحد في الطبور رحب بي بلطف وآخر واحد فيهم شاورلي. اللحظة البسيطة دي الطولها ميجبش حتى خمس ثواني رفعت من معنوياتي جداً. 

وبعدين على مرة واحدة بدأت تندع. محبتش أقف عشان ألبس الجاكيت وأعطل نفسي فكملت مشي. لكن في خلال ثلاثين ثانية الدنيا بدأت تمطر أجمد. عرفت إني ضروري أقف تحت أول شجرة ألاقيها وألبس الجاكيت لأن أكيد هتمطر أكتر كمان. وفعلاً هما عشر ثواني ولاقتها طخ! مطرة في كل مكان… ومن كتر ما المطرة جامدة هي تشبه شبورة مش باين منها حاجة. سرعت مشيتي تجاه شجرة عن بعد ٥٠ متر أقدر أحتمي بيها وأول ما وصلت فكيت الجاكيت من حولين وسطي ولبسته مرة ثانية.  

بدأت أحس بشوية ضغط وأنا بفكر إن أكيد الست مستنياني دلوقتي وأنا محتاسة في المطرة دي. فسرعت قد ما أقدر. وعلى مرة واحدة وكإن مفيش أي حاجة حصلت لقيت شحنة طاقة غريبة جداً بتزقني لقدام — لقيت سرعتي عند ٥ كم/س – يا للمعجزة! فمشيت ومشيت والدنيا حولي شلال مطر.

وأخيراً لقيت تقاطع صغير كنت مستنية أشوفه… الشارع الأنا ماشية فيه بيخش في شارع أكبر منه وحواليهم حقول من كل ناحية. كملت مشي في إتجاه التقاطع ولقطت بيوت صفراء كانت الست قالتلي عليهم وكنت فاقدة الأمل إني عمري هلاقيهم خلاص — بس هايل! يا دوبك خمس دقايق مشي كمان وهوصل هناك.

سرعت مشيتي وعيني ماشية مع كل عربية بتعدي قدامي في تفس الوقت، بحاول أشوف لو تكون واحدة فيهم عربيتها. أكيد هي هتشفني بمنظري الكوميدي ده بس برضه يا ريتني كنت سألتها هتكون سايقة عربية إيه… بس خلاص بقى أهو ده الموقف دلوقتي.  

وأنا داخلة على التقاطع لقيت عربية كانت راكنة بره الشارع على بعد ٢٠٠ متر بدأت تتحرك ومتجهة ناحيتي. ممكن تكون هي؟ 

أول ما لقيتها بتدي إشارة يمين وبتهدي جمعت إنه أكيد هي — ياه للراحة الحسيت بيها! كملت مشي في اتجاهها بسرعة وأنا منظري أكيد كوميدي وإبتسامة كبيرة على وشي. 

لقيتها بتفتح الباب وبتنزل من العربية ومحسستنيش في أي لحظة إنها متضايقة من المطرة. سلمت علي وحضنتني وهي عمالة تضحك على المطرة معايا… عجبتني جداً اللحظة دي. هي واقفة بتضحك والقميص بتاعها عمال يتبل أكتر وأكتر منغير ما يبان أي إنزعاج على وشها. 

فضلت أضحك وهي بتضحك وبدأت أتأسف على إني هَبِل العربية بتاعتها. أكدتلي إن مفيش أي مشكلة — دي عربية صاحبتها أصلاً. تمام!
“يبقى أنا آسفة إني هبل عربية صاحبتك” — ضحكتها الجملة كتير. 

🍃 الجزء السابع – ولا يهمك، هنسميها سي ڤيو

أول ما طلعنا على الطريق قعدت اشكرها ألف مرة على مساعدتها ولقيت نفسي مش عارفة أوقف كلام عن مغامرتي بتاعة امبارح. فضلت تضحك معايا وسألتني أنا ليه بعمل الرحلة دي لوحدي. سؤال وجيه، متعودة أسمعه ولكن كل مرة بحس بصعوبة في الرد عليه. حاولت أرد كالآتي: لما بمشي لوحدي بيبقى عندي مساحة لأفكاري، وبعرف أمشي بالسرعة التناسبني فببقى براحتي وكل مرة بتبقى مغامرة جديدة وبآخد خبرة وبتعلم حاجات جديدة. 

سألتني لو خفت إمبارح لما الدنيا ضلمت… قد ما كان صعب علي الإعترف بالإجابة الصريحة قلتلها الحقيقة: أيوة خفت.
بس أنا كلمت حد وده ساعدني كتير. وكمان في الأخر قدرت أوصل ودي كانت بنسبالي خبرة حبيت أكسبها. 

حكيتلها إن دي أول مرة ليا في السويد ولقيتها استغربت جداً. “إيه؟ أول مرة ليكي بجد؟! أهلاً وسهلاً في السويد!” وقعدت تهزر وتقول إن ده الصيف السويدي. ضحكتني كتير وقلتلها إني استحق الحصل ده شوية لأني جيت في وقت سيئ. 

كملنا طريقنا للبيت، وحسيت بالراحة حولين روحها المرحة. حكتلي إنها بتشتغل مع كبار السن، وعلشان كده لازم تمشي الساعة ٣:٣٠ بعد الظهر. حكت كمان إنها بتشتغل في طب الأقدام. لقيت نفسي على مرة واحدة بقول “أيوا، بودولوجي!” بالألماني، مندهشة من معرفتي بهذه الكلمة. أكدتلي الإجابة بهزة من راسها. قلتلها إني بحب الهي بتعمله جداً وإني بحترم الناس البتشتغل مع كبار السن قوي. ابتسمت وسألتني عن بقية مساري، وفين مضيت الليلة إمبارح، وهتجه على فين بعد كده. حاولت نطق إسم الطريق الكنت ماشية عليه — “سورملاندسليدن” — وأنا مش واثقة من نفسي قوي ولاقيتها فهمتني عند تاني محاولة. لقيتها بدأت تفكر بصوت عالي لو ممكن توصلني جزء من الطريق بكرة بس إفتكرت بعدها إنها هتروح في الاتجاه المعاكس لتمارين السباحة بتاعتها. فلتلها مفيش مشكلة على الإطلاق — الخطة الاساسية هي ما زالت إن أنا أمشي بالرغم من كل الحصل

دخلنا في شارع صغير مرصوف بيوصل للبيت، ودخلنا ملف وسط الشجيرات لغاية ما وصلنا في جنينة كبيرة مستخبية وراء البيت. من هناك، مشيت معايا فوق مساحة واسعة مليانة حشيش أخضر كثيف لحد ما وصلنا الكوخ اللي همضي فيه الليلة. فتحت الباب وأنا داخلة وراها بحذر… نزلت عصيان المشي المليانة طينة بجانب الباب وقلعت جزمتي. على طول، حسيت بالراحة في الكوخ الدافئ البيدعو للأنتخة.

كملتلي التور وأنا منبهرة بالمكان الهمضي فيه بقيت اليوم ومش قادرة أستنى لحد ما أبقى لوحدي فيه. قالتلي إني ممكن أنام فوق أو تحت (فيه سلم بيوصل لدور صغير قوي فوقاني كدة) وأنا طبعاً عرفت على طول إني هنام على الكنبة الشكلها مريح جداً وقدامي المطبخ. ده غير إن أنا مستحيل أطلع أو أنزل سلم تاني النهاردة. 

بعد كدة لقيتها بتفتح باب تاني بيودي لظهر الكوخ. وفرحت على طول بالمنظر — حقل واسع كبير والسماء ممتدة فوقه وأحلى حاجة: خيل ماشي في الحقل. يا سلام! 

لقيتها بتشاورلي على المنظر ودراعها مفتوح كإنها بتقدم عرض وبتقول بمنتهى الحماس: “أهو السي فيو” 

ضحكت جداً من جوايا وأنا ببص على شريط من البحيرة، بعيد جداً، يا دوبك باين، لكن عملت نفسي منبهرة زيها عشان مديقهاش. ومالو؟ نسميه سي فيو. كله جميل… ومفيش أي حاجة مضايقني دلوقتي.

أول ما مشيت، طبعاً إترميت على الكنبة وفردت رجلي. أخيراً. راحة. 

الساعة كانت لسة ٣:١٥ الظهرية فكان عندي وقت كتير قوي أعمل فيه الأنا عايزاه. بدايته كانت إني طبعاً لازم أستغل المنظر ده! فعملت حاجة آكلها وخرجت برا وقعدت على كنبة أتفرج على المنظر… الخضرة الجميلة، الحصان البيتمشى مع نفسه في الحقل. السماء المغيمة جداً بس مش مضايقاني خالص. شميت ريحة الجو وحسيت إني خلاص بدأت أرتاح من اليوم بجد. 

أخدت بالي إن الجو مش برد قوي… وإفتكرت إن الشمس كدة كدة هتطلع بكرة… ده شيء هايل! بالذات إني أخدت بالي إن هنا برضه فيه دش بالخارج — مسخرة! بكرة ليه زيارة أكيد… 

وبقية اليوم كان مليان سعادة فقط — أكل، راحة، نوم، دفء، أنتخة. صحيت فقط على وقت الغروب وأخدت صورة وكملت أنتخة على الكنبة.  

ومع هذا المود خليت اليوم يكمل معايا وأحاول قد ما أقدر مخليش حاجة تضايقني أو تقلقني. وأحلى حاجة بالنسبة لي كانت طبعاً (أي حد عرفني هيرد علي السؤال ده أسرع مني)… الهدوء. مفيش غير صوت العصافير كل فين وفين ولما الدنيا ضلمت مفضلش غير صوت الهواء وهو بيلعب مع الشجر… وده كان يشبه صوت موج البحر ساعات، لدرجة إنه خلاني أحلم بالبحر لما نمت. 

فمفضلش غير صوت نفسي وصوت البحر…
ومع ده هقول تصبحوا على خير! 

〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️

نظرة سريعة على إحصائيات الرحلة:

المسافة المقطوعة: ٩٫٦١ كم
مدة الحركة: ٢ ساعات و ٩ دقيايق
سرعتي المتوسطة: ٤.٥ كم/ساعة
الارتفاع المقطوع: ١١٠ م

🏅 المسافة المقطوعة من أول الرحلة: ٣٧.٥١ كم

إحصائيات أكثر تفصيلاً على كوموت (إضغط/ي على الصورة للانتقال إلى المسار):

〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️

البوست القادم هيكون جاهز كمان ٢ – ٣ أسابيع– خليكم معايا على الخط!

ولو عجبتك الصور ونفسك في واحدة مطبوعة أو عايز/ة تستخدم/ي أي صورة كـخلفية للموبايل أو اللابتوب، ابعت/ي/لي رسالة!

〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️

«وبعدين… لقيت نفسي في السويد»

٨ أيام من المشي والأحلام والتوهان في السويد (اليوم الأول)

🙋🏻‍♀️ أهلاً وسهلاً بيكم يا جماعة في حلقة جديدة من مغامراتي مع المشي لمسافات طوييييلة في أماكن عشوائية.

المرة دي مش في ألمانيا، لأ… في السويد!
كنت محتاجة مشية تخرجني شوية من مجال الراحة بتاعي، حاجة تديني الإحساس بتجربة جديدة. كانت على وشك انها تبقى بولندا، أو إسبانيا، أو حتى فرنسا، بس في الآخر رسيت على السويد – أو زي ما بيقولوها هناك «سڤيريّه» (وانطقوها كده: «سڤآر- يِه») – هي اللي خدت الدور. وأقدر أقول بمنتهى الثقة: فعلاً كانت برا منطقة الراحة بتاعتي… بالزيادة.

قبل ما نبتدي أحب أوضح حاجة: اليوم الأول من السلسلة دي مش فعلاً يوم “مشي”، هو يوم السفر نفسه من ألمانيا للسويد – يوم كله ملاحظات وأحلامي اليومية (الإنتم خلاص المفروض تكونوا اتعودتوا عليها 😁). بس بالنسبة لي، التحضير والسفر جزء من المغامرة، خصوصاً إنها أول مرة في حياتي أروح السويد، فكان لازم اليوم ده يتكتب في مذكراتي برضه… بس لو إنتوا مستعجلين على الجزء اللي فيه المشي فعلاً، مافيش مشكلة خالص 😌، تقدروا تبدأوا من يوم ٢… الهو لسة بيتكتب وهيتنشر قريب..

🎉 أما اللي هيكمل معايا من أولها، يجهّز نفسه لرحلة فيها شوية أحلام، شوية فوضى، شوية حماس، ومعاهم طبعاً اللخبطة اللي دايماً بتكون أنا.
يلا بينا!

(مدة القراءة تقريباً: ٢٦ دقيقة)


١٩ سبتمبر ٢٠٢٥ – اليوم الأول
(رحلة القطر والعبّارة من ألمانيا للسويد)

الجزء الأول – تمارين الصباح بالشنطة

صحيت حوالي الساعة ٦ الصبح بعد نص ساعة كاملة من معركة “السنوز” مع الموبايل. كل شوية أقول لنفسي: “طب آخر مرة وبعدين أقوم”، لحد ما جِه السؤال اللي لمس العصب الصح: “هو أنا فعلاً عايزة أخاطر أضغط سنوز مرة كمان وأبوّظ الرحلة كلها قبل ما تبتدي أصلا؟
السؤال دة لوحده كان كفاية يخليني أقوم من السرير… الحمد لله اني لحقت أسأله قبل ما ألاقي نفسي نمت تاني.

ولّعت النور (أيوه لسه الدنيا ضلمة) وبدأت أجهّز كوباية القهوة اللي بتظبط المود كده في أول اليوم. مع أول بق حسّيت إن اليوم بدأ فعلاً، وإن الرحلة مش حلم خلاص. يا سويد… فاضلي أقل من ٢٤ ساعة وأكون عندِك! ☕️🇸🇪

بدأت أراجع خطة اليوم وأنا بشرب القهوة وبعمل شوية “ستريتشس” (بتمطع يعني) عشان أصحّى جسمي النيمان.
الخطة كالآتي: هاخد القطر من برلين لحد مدينة اسمها روستوك على بحر البلطيق، وبعد استراحة صغيرة هناك هاخد العبّارة (الهي أنا بجد متحمسة عليها جدا!) لمدينة ساحلية اسمها تريلليبورغ في السويد، وهناك همضي أول ليلة.
اليوم البعده هاخد قطر تاني لمدينة صغيرة اسمها يَرنا، ومن هناك هتبدأ رحلة المشي الرسمية بتاعتي.

لمّيت آخر شوية حاجات، وأنا في قلبي بشكر نفسي القديمة اللي كانت شاطرة ووضّبت ٩٠٪ من الشنطة امبارح بالليل برغم التعب .
لبست لبس الرحلة اللي لسة جايباه جديد ومتحمّسة أجربه في هذه الرحلة، ولما شِلت الشنطة على ضهري وخدت صدمة صغيرة من وزنها، ضحكت وقلت لنفسي: “ماتقلقيش يا بنتي، كل يوم هتخف شوية… احنا اتعودنا خلاص.”
ويلا بينا على أول خطوة في المغامرة! 🏃🏻‍♀️🎒✨

✨ الجزء التاني – تشجيع من متسابقين الماراثون

وأنا في طريقي لمحطة القطر السما كانت بدأت تنوّر، و بدأت أحس أكتر ان اليوم ابتدى رسميًا. الهوا كان فيه لسعة برد خفيفة ورطوبة كده منعشة.
شوارع برلين كانت لسه فاضية نسبيًا، بس فجأة كل شوية ألاقي ناس نشيطة كدة زيي بتجري جاية في طريقي – فهمت انهم متسابقين بيتدرّبوا للماراثون آخر الأسبوع.
ما قدرتش أمنع نفسي من الابتسامة، حسّيت إن خطواتهم المليانة إصرار كأنها تشجيع صغير ليا، كأنهم بيقولولي: “إنتِ مش لوحدك في التحدي اللي جاي دهاحنا داخلينه معاكي

بس الصراحة، طاقتي أنا كانت لسة على قدها. عضلات رجلي احساسها ناشف شوية، ومزاجي لسة مش مظبوط، والكاميرا التقيلة في إيدي مش مخلّياني ألاقي وضع مريح أمسكها بيه.
بس على طول افتكرت إن الإحساس ده جزء من الـ”تسخين” بتاع أي رحلة مشي طويلة — المرحلة اللي الجسم والمخ فيها بيحاولوا يفتكروا هما كانوا بيتصرفوا إزاي بالظبط في الرحلات دي. تاني أفكر نفسي ان كله هيتحسن بالوقت والروتين هيظبط نفسه على تاني أو تالت يوم.

وصلت المحطة وركبت القطراللي بياخدني لمحطة برلين المركزية، ولما وصلت هناك اكتشفت إن عندي ساعة كاملة قبل القطر بتاع روستوك ما يمشي – شوية رفاهية نادرة استغليتها فورًا عشان أشتري شوية سناكس لرحلتي لروستوك.

وانا نازلة على السلم الكهربائي للمسار الهيقوم منه القطر، حاولت أصور صورة كده للبداية الرمزية بتاعة اليوم… بس الزحمة كانت مجنونة وكله مستعجل وأنا مش قد ان أنا أوقف الجيش الورايا علشان ألقط صورة… فبعد كام محاولة فاشلة قلت خلاص، محبكتش دلوقتي وقبلت الصورة الرديئة الأخدتها.

صورتي ذي جودة بطاطساية 😁

المسار نفسه ملياااان ناس، على الأقل ٢٠٠ شخص! وبعد كام دقيقة ييجي أول خبر وحش: القطر متأخر عشر دقايق. وبعدها بدقيقتين: القطر متأخر عشرين دقيقة.
تنهدت وقلت في سري: “ماهو لو ما اتأخرش… منبقاش في السكة الحديد الألمانية (لإنه القطر بيتأخرمعظم الوقت… بجد آه) .🙃

قررت أفضل هادية وأفكر نفسي اني لسة عندي وقت كتير ممكن أستغله في اني أتفرّج على الناس اللي حولي وأسمع الموسيقى بتاعتي.
المشهد متنوّع جدًا: مسافرين لوحدهم من كل الأعمار، ناس معاهم كلاب، أزواج بيودّعوا بعض بالأحضان، كبار في السن بشنط شكلها حلو، وجروبات طلبة في رحلات تخرُّج بيضحّكوا وبيفكروني بأيام المدرسة.
المكان بقى شبه دنيا صغيرة… وأنا قاعدة أتفرّج وأسرح، وحسّيت إن الانتظار مبقاش مضايقني.

بصّ/ي تاني! ده انعكاس في شباك القطر، مش حد بجد 😉

وأخيرًا القطر وصل – طبعًا على مسار تاني غير اللي كان المفروض 😅.
بس لحسن الحظ، المسار الجديد كان قصاد القديم، يعني مش مضطرة أطلع السلم وأجري بالشنطة التقيلة مع مئات الناس كإني في فيلم كوميدي.
نصر صغير، بس والله مستاهل الاحتفال! 🏅🎒

✨ الجزء التالت – معركة الكرسي

الركوب في القطر كان عاصفة صغيرة في حد ذاتها.
كنت من أول الناس اللي دخلت القطر، وكان قدامي كذا كرسي فاضي أختار بينهم، بس مخّي قرر في اللحظة دي إنه “يعلّق”، ومشيّت قدّام وأنا متأكدة إني هلاقي حاجة أحسن بعد شوية.
وطبعًا، لما اكتشفت إن مافيش أي حاجة أحسن، كانت الموجة اللي ورايا خلاص احتلت كل الكراسي الفاضية.
ليه كدة يا مخّي؟ ليه؟ 😩

بالحظ، شُفت تلات كراسي اتنين منهم جنب بعض وواحد قصادهم، قاعدة على واحد منهم ست كبيرة لوحدها، وحطة شنطتها على الكرسي اللي قصادها كأنها بتحرسه.
سألتها بأدب لو المكان فاضي، اترددت شوية وقالتلي إن في كرسي واحد بس فاضي، مش الاتنين.
قلتلها وأنا مبتسمة: “تمام، ده كفاية أوي!”
فرحت إن أخيرًا عندي مكان أقعد فيه، وكمان مساحة أحط فيها الشنطة التقيلة اللي شايلاها على ظهري.

المنظر من مكاني

قالتلي وهي بتبُص حوالين القطر بإستغراب:
“النهارده زحمة قوي، مش كده؟”
ردّيت بابتسامة متفهمة:
“أيوا فعلاً زحمة جداً…” وأنا في سري بفكر اني بصراحة عمري ما شفت الخط ده فاضي.

قعدت أتفرّج عليها وهي كل شوية تطرد الركاب اليائسين اللي بيحاولوا يقعدوا على الكرسي اللي هي حارساه. شكلها متوترة جدًا، وافتكرت آخر مرة كنت فيها في موقف شبه كده لما كنت بحاول أحجز كرسي لواحدة صاحبتي اتأخرت… توتر مش طبيعي. النهارده الحمد لله الدور ده مش عليّا.

بعد حوالي أربع محطات، صاحبتها اللي حجزلها الكرسي وصلت أخيرًا.
الاتنين كانوا شبه بعض في لبسهم والتصرفات لدرجة إني افترضت إنهم صحاب عُمرٍ طويل.
ابتسمت للصديقة ابتسامة سريعة، وكل واحدة رجعت لعالمها.
عالمي أنا دلوقتي كان عبارة عن الفرجة برة الشباك والإستماع للموسيقى بتاعتي، شوية تأمل في الكون، شوية قلق مع تحمس على اللي جاي، وأنا بتفرّج على برلين وهي بتعدي في درجات الرمادي المعتادة بتاعتها، متزينة بس بشجر وبلكونات مليانة زرع.

الجو كان مغيم شوية، من النوع البينيم الأنا مش بحبه ده، بس قعدت أفكر نفسي اني كسبت معركة السنوز الصبح ولحقت القطر وان أنا ممكن أنام دلوقتي براحتي خلاص… بس معرفتش أنام من كتر ما أنا متحمسة على اللي جي.

✨ الجزء الرابع – قدّها وقدود

بعد حوالي ساعتين ونص، القطر وصل روستوك.
المرحلة الجاية إني أركب قطر تاني لمحطة اسمها لوتن-كلاين، ومن هناك أوصل للأوتوبيس اللي بياخدني مباشرةً لميناء العبّارة.
ولإني كنت في محطة روستوك دي قبل كده في رحلات لي على البحر، فالمكان مش غريب عليّا، وفعلاً لقيت القطرالتاني بسهولة وجيش الناس الحولي موترنيش زي ما كان هيوترني في العادي. 😮‍💨

في الأول، كان عندي أربع كراسي لوحدي –يا للراحة . 😌
بس بعد كام محطة، ركبت سيدتين، واحدة فيهم حواجبها مرسومة تاتو بطريقة حادة كده وبَصّتلي بابتسامة. ابتسمت لها وأنا بفكر في شكلي أنا، وعصيان المشي اللي طالعين من الشنطة ورايا كأنهم إريَل (بتاع التليفزيون). 🫣

بعدها، في محطة تانية، دخلت مجموعة ثمانية رجالة، وزعوا شنطهم في كل مكان ومغطيين نص الممر.
بدأت أعمل خطة في دماغي إزاي هعدّي من فوق شنطهم من غير ما أتكعبل وأقع وألاقي نفسي اتقلبت ريل على تيكتوك.

ولزيادة التوتر بقى ألاقي ان التنبيهات لأسامي المحطات في القطر مش شغالة، وأسماء المحطات مش باينة على الأرصفة مهما حاولت أركّز!
قلت لنفسي: “ماشي، مش أول مرة تحصل… عندي خطة.”
فتحت جوجل مابس، وبقيت أتفرّج على النقطة الزرقا اللي هي أنا وهي بتتحرك على الخريطة وأركز مع كل اسم محطة النقطة الزرقا تعديه على الخريطة، لحد ما أوصل محطتي. محتاجة شوية تركيز وثقة… بس أنا قدّها. 💪

قبل محطة لوتن-كلاين بواحدة، بدأت أجهّز نفسي للنزول. شِلت الشنطة التقيلة وأنا لسه قاعدة عشان أوهم نفسي واللي حواليا إنّي منظمة وعارفة أنا بعمل إيه . 😅
واحد من الرجالة لمّحني وبَصّلي بابتسامة دافئة كده، حسّيت إنها تشجيع صامت.
عدّيت وسط شنطهم واحدة واحدة من غير ما أتكعبل (شكرًا يا يوجا اليومية!)، وصلت للباب، ونزلت وأنا باخد نفس عميق من الهوا البارد.
مهمة أُنجزت! 🥳

الطريق لموقف الأوتوبيس كان سهل، بس لما بصّيت على الشاشة واكتشفت إن الأوتوبيس الجاي بعد ٢٥ دقيقة قلت: “آه بقى… أفضل واقفة في الرمادي ده ولا أروح أدور على قهوة؟”
طبعًا القهوة كسبت ☕️.

رجعت ناحية مبنى المحطة، ولقيت محل خدمة صغير.
الكاشيرة، ست شعرها أسود وعينيها زرقة كده بشكل بيشد، سلّمت عليّا بلُطف. سألتها بكل ما عندي من لطف لو في حمّام، ابتسمت ومدّتلي المفتاح.
الحمّام بسيط جدًا، بس حسّيت إني رجعت للحياة وأنا بغسل وشي وبطّمن إن الضفاير لسه شكلها معقول .

رجعتلها المفتاح واشتريت قهوة. قهوة فلتر عادية خالص، بس فكرة إنّي أسكبها بإيدي حسّستني بثبات كده وراحة.
طلعت بالكوباية السخنة، ولسه فاضل عشر دقايق على الأتوبيس. الموقف بدأ يتملى بناس شكلهُم واضح إنهم مستنيين نفس الأوتوبيس.

مستنية الأتوبيس… المرة دي بالقهوة! ☕️

وفجأة شُفته: الأوتوبيس قاعد أصلاً على الناحية التانية من الشارع، خمس خطوات مننا.
بس لما الساعة ضربت معاد الرحلة، السواق خرج من مكانه، لفّ بالعربية برّة المحطة، دخل الشارع الرئيسي، عمل يو-تيرن كامل، ورجع تاني علشان يركن قدامنا بكل نظام.
قولّي/لي إنك في ألمانيا من غير ما تقولّي/لي إنك في ألمانيا . 😏🇩🇪

الأتوبيس كان بعيد خمس خطوات بس

✨ الجزء الخامس – زيارة مصر المفاجئة

ركبنا الأوتوبيس، واخترت كرسي ورا وحوليّ شوية رجالة لابسين لبس عمال وبيتكلموا مع بعض. واحد فيهم لهجته تقيلة أوي، نص الكلام بيضيع مني، بس مش مهم — حسيت براحة وأنا جنبهم وبستمع ليهم وأنا عاملة تفسي مش واخدة بالي.

كنت مركزه ع التنبيهات بتاعة المحطات، عشان هنا لازم تضغط/ي على زرار الـ”STOP” الأحمر لو عايز/ة الأوتوبيس يقف، إلا لو في حد تاني مستني في المحطة دي. الاسم “Seehafen Fähre” (ميناء البحيرة/العبّارة) أخيرًا اتقال اسم المحطة، دست بسرعة، بس الأوتوبيس أخد حوالي ١٠ دقايق كمان لحد ما وصل.

وفي نص الطريق، الراجل اللي كان قاعد ورايا فجأة بدأ يحكي عن السواقة في مصر، وقد إيه الرخصة هناك رخيصة وسهلة. بيحلف إنها بتطلع في أسبوعين بـ١٦٠ يورو بس، بس ما تنفعش برّه مصر. ضحكت في سري من الطريق العجيب الالحوار أخده، كأن مصر قررت تركب الأوتوبيس معانا فجأة. كمل كلام عن الضرائب وأسعار العربيات بطريقة مش فهماها قوي ومعتقدش انها كانت صحيحة، بس ثقته في الكلام كانت مسلية كفاية.

وأخيرًا الأوتوبيس دخل على منطقة صناعية واسعة، مليانة شاحنات وعربيات متوزعة في وسع المكان، والسما لسة مغيمة جداً، ولسه مفيش أثر للبحر. الكل نزل، وأنا مشيت ورا الرجالة ناحية مبنى لونه أحمر باين عليه هو المبنى الصح . 🤔

جوه المكان كان هادي جدًا — شوية مسافرين، وماكينات تسجيل ذاتي، ومفيش موظفين باينين. بدأت أدور على شركة “StenaLine” اللي أنا حاجزة معاهم، بس اكتشفت بعد شوية إن الرحلة النهاردة متنظمة من “TT-Line.” ورقة صغيرة ملزوقة بسيلوتيب وموظفة ملهاش نفس تكلمني وجّهوني على مكتب تاني.

هناك استقبلتني ست كبيرة في السن شعرها أبيض قصير وابتسامتها ريحتني كتير. بعد برود الموظفة التانية، ذوقها ولطفها فاجئوني. قعدت تراجع التذكرة معايا وهي واخدة راحتها، وأكدت الكابينة، ما طلبتش حتى البطاقة، وادّتني كارت صغير مكتوب عليه رقم الكابينة، وهو كمان تذكرة الركوب. حسّيت براحة فورية — الحجز اشتغل تمام!

قالتلي بابتسامة وهي بتشاور على أوتوبيسات حمرا واقفة في صف برّة:
“الأوتوبيسات دي هتوصلكوا للعبّارة، هتبدأ تتحرك نص ساعة قبل الميعاد.”

ده معناه إني قدامي تقريباً ساعة فاضية — كفاية عشان آخد نَفَسي، وآكل حاجة خفيفة، وأحلى حاجة إن الشمس أخيرًا بدأت تطلع من ورا السحاب. هدية صغيرة كده بسيطة، على حافة البحر الأنا لحد دلوقتي مش شايفاه… 😁

للأسف خدت الصورة دي قبل الشمس ما تطلع

✨ الجزء السادس – مرفوضين سوا

الساعة عدّت بهدوء، من النوع اللي بيجري وإنت/ي مش واخد/ة بالك، كأن الانتظار نفسه نوع من التأمل. في الأول كنت أنا وست واحدة بس مستنيين، وبعد كده المكان بدأ يمتلئ بالمسافرين، كل واحد/ة داخل/ة بلمسته/ا الصغيرة على المشهد.

قدامي على الكنبة قاعدين زوجين كبارفي السن، الست عمالة تحكي بصوت عالي عن اكتشافها الجديد لحاجات في موبايلها، وكل شوية تصيح بانبهار كأنها أول مرة تمسكه. وراهم على طول في زوجين تانيين عكسهم تمامًا — هدوء وسكينة، بياكلوا سناكس سوا، من غير ولا كلمة.

وبعدين دخل شاب أشقر بالعجلة بتاعته، وقال بحماس رهيب:
“ممكن حد ياخد باله من عجلتي وأنا بشتري التذكرة؟”
قلتله فورًا: “أكيد!”، اتأثرت بطاقته وبثقته فينا.

القاعة قعدت تتملي بالتدريج، كأن المشهد مترتب بإيقاع لذيذ: تلات شباب شيلين شنط كبيرة على ظهرهم، منهم بنتين وولد بشعرأشقر مجعد لابس كوفيّة حمراء، وفيه زوجين صغيرين عمالين يحضنوا بعض قبل الفراق، وثلاث بنات لوحدهم زيي — واحدة منهم معاها كلب وشنطة ضخمة جدًا خلتني أحس إن شنطتي ولا حاجة جنبها. 🫣

وأخيرًا وصل أوتوبيس أحمر. كلنا اتحركنا في طابور منظم، بس السواق بدأ يهز راسه لكل تذكرة تتقدمله بنفس الجملة:
“Nein, auch nicht!”
(يعني: “لأ، برضه لأ!”)
واحد ورا التاني، رفض جماعي. ولما جيه دوري وأنا متوترة ومش فاهمة ايه البيحصل، وريته التذكرة، وراح قالهالي أنا كمان: “لأ، برضه لأ”
الكل ضحك، وأنا كمان. في لحظة صغيرة، بقينا كلنا مرفوضين سوا — وده في حد ذاته حاجة خليتنا نقرب من بعض شوية ولو للحظة فقط.

وقفنا على الرصيف نستنى ونستنى. ١٠ دقايق بقت ٢٠ دقيقة بقت ٣٠ دقيقة، وأنا شايفة سواق أوتوبيس تاني راكن بعيد بيحاول يفتح الباب بعنف ومش عارف وعمال رايح جي عالأتوبيس. قلت لنفسي: “هو ده بتاعنا؟” نص قلقانة، ونص متسلية من الموقف. عيني راحت تلقائيًا ناحية أربع ظباط شرطة بيوقفوا عربيات راجعة من العبّارة وبيفتشوها. المشهد مضايق شوية، بس زي الكل، ما قدرتش أمنع نفسي من البص.

وأخيرًا، أوتوبيسنا الحقيقي وصل — سليم، شغال، من غير دراما، متأخر نص ساعة بالتمام. ركبنا بسرعة واحنا حسين بالراحة الجماعية، وأهو كده رسميًا بقينا في طريقنا للعبّارة. 🎊

✨ الجزء السابع – متاهة العبّارة

الأوتوبيس وصَلّنا قدام عبّارة ضخمة جداً، يمكن أكبر واحدة شفتها في حياتي. بس دخولها طلع أصعب مما توقعت…

نزلت من الأتوبيس وأنا شايلة الكاميرا، وأنا مش عارفة أبدأ أصور ولا أجري ورا الناس عشان ما أتُهش منهم، خصوصًا إن مفيش حد حوالينا ممكن أسأله على الطريق. مشيت ورا ثلاثة مسافرين معايا شكلهم عارفين هما رايحين فين، وداخلنا على الجراج الكبير اللي يشبه كهف، واسع كفاية لحوالي ٣٠ عربية نقل ومئات السيارات .

هنا، واحدة من المسافرات اللي ماشية معانا فجأة كسرت الصمت وقالت:
“انتو فعلاً عارفين انتو رايحين فين، ولا بس ماشيين ورا بعض؟” 😅

اعترفت إني كنت ماشية وراهم لإني مشفتش سلم برة العبارة واني اتطمنت بعدم اعتراض السواق لما شافنا داخلين. عشان أتأكد ناديت على التلاتة القدامي وسألتهم بلطف:
“متأكدين إنكم عارفين الطريق؟”
واحدة منهم لفّت راسها، قالت “آه” سريعة، وكملت مشي. بس بعد شوية خطوات زيادة لقينا نفسنا في طريق مسدود بين الشاحنات، مفيش أي مخرج. 😅

المسافرة الكانت شكة في الخطة استغلت الفرصة وبدأت تدينا محاضرة سريعة عن الأمان بالعبّارة — الظاهر كان المفروض نركب من بره عن طريق سلم والإحنا بنعملوا دة خطر جداً. بمزيج من الحيرة والإحراج رجعنا، بس أول ما وصلنا برة لقينا ان ما فيش سلم أصلاً. البنت بدأت تتوتر وتدور على حد تسأله نعمل ايه لكن مفيش حد خالص… شفنا بس راجلين لابسين جاكيتات لونها نيون أصفر لكن واقفين بعيد ومركزين في ارشاد عربيات النقل ومشغولين أوي. ولا حد فينا اتجرأ يقاطعهم في اللي بيعملوه.

الست اللي دلّت الطريق في الأول انتهزت هي الفرصة دلوقتي وأصرت إن ده الطريق الصح اللي هي دايمًا بتاخده، فمشينا وراها تاني اتجاه الجراج. المرة دي لاحظت من بعيد صف من الأبواب اللي فيها سلالم ومصاعد. أشرت عليهم، وبدأنا نتجه ليهم واحنا بنضحك على الموقف الغريب ده.

عند الباب، الراجل أبو شعر مجعد وكوفيّة داس على زرار أسود ضخم، وبدأ الباب يفتح أوتوماتيك. وقفنا عند مفترق طرق تاني — نروح فين دلوقتي؟ نطلع السلالم ولا ناخد المصعد وهل ده الباب الصح أصلاً؟ كان فيه ٣ أبواب تانية في الممر…

وأنا بحاول أفهم الوضع لاحظت علامات كبيرة فوق كل باب، متطابقة مع الحروف على التذكرة بتاعتي. حاولت ألفت نظر الكل للملاحظة ده، بس محدش كان مركز معايا، فقلت أوكيه، أنا عن نفسي هتحرك… شورتلهم ورحت أنا على الباب المكتوب عليه “A” — الكابينة بتاعتي هناك.

لقيت اتنين عمال واقفين هناك ونظروا ليّ وأنا مستنية المصعد. مزاجهم ما كانش مرحّب، فاخترت أطلع السلالم بدل المصعد. لحد ما وصلت في النص ولقيت خريطة فهمت منها إني لازم أطلع للدور التاسع. فقررت أستنى المصعد لكن لقيته بطئ ومليان ناس… فقلت أوكيه مش من نصيبي هكمل طلوع على رجلي وأهو تمرين للأيام الجية.

خطوة ورا خطوة، بين حيطان برتقالية، بعد ما عديت اتنين بيركبوا نور في السقف وكام باب مش مفهوم بيودي على فين، لقيت نفسي وصلت أخيرًا لممر واسع وهادئ جدًا. العبّارة أصبحت شبه فندق مودرن… — حيطان منقوشة، إضاءات LED ناعمة، سجادة مريحة تحت رجلي… وهدوء رهيب. قابلت بس اتنين تايهين بيدوّروا على الكابينة بتاعتهم.

وفجأة، في نص ممر بعد مشي كتير، ظهر الرقم السحري: ٩٥١٩. كابينتي! دخلت التذكرة في الفتحة، استنيت القفل ينور أخضر، وحسيت بشعور راحة كبيييير مالي قلبي… 😌

الجزء الثامن – عائمة بسعادة 🌊

الكبينة جميلة جدًا. نضيفة، واسعة، وفيها منظر للبحر — وكمان حمام ودش! كنت متخيلة كبينة ضيقة ومقفولة، يا دوبك أقدر أنزل فيها شنطتي على الأرض بس ده أحلى من المتوقع بكتير ومديني إحساس كده بالملاذ الصغير على السفينة الضخمة دي.

بعد ما صورت أول خمسين صورة وفيديو مددت عالسرير وقعدت أتفرج بره الشباك والمينا بيعدي قدامي بالراحة… عيني راحت للموج والرغاوي العمالة تتكون حولين المركب، منظر فيه حاجة مريحة جداً… ومش قادرة أصدق المركب عالية إزاي… كإني في الدور الخامس مثلاً، وكمان لسة فيه أدوار فوقي.

الهدوء هنا غريب، فيه ضوضاء بيضاء مستمرة وضغط بسيط في الهوا محسسني براحة . منظر البحر مع الجو ده مخليني أحس اني وصلت وقادرة أرتاح… وقعدت أشكر نفسي إني صرفت شوية فلوس زيادة عشان أجرب الكبينة دي.

بعد نص ساعة استراحة ومدّ رجلي دخلت مود الاستكشاف 🕵️‍♀️. لبست الجزمة وبدأت أتجول في الفيري — متاهة في حد ذاتها. لوحات بتِرشِد في كل مكان، ساونا هنا (يا ريتني كنت عارفة من قبلها!)، ٣ مطاعم في اتجاهات مختلفة هناك، محل كده في مكان ما — فقررت إني معبرش اللوحات وأمشي ورا أصوات الضحك والمزيكا الجية من بعيد.

لقيت الأصوات شدّاني لدور تاني ثم تالت، ولقيت حوالي خمس مناطق جلوس مختلفة؛ واحدة فيها جو صالون، التانية فيها جو مكتبة، والباقي مزيج بين كافتيريا وقاعدة انتظارأنيقة. التنوع ده عجبني جدًا! وبعد خطوتين تلاتة كمان لقيت سطوح في الهواء الطلق مليان شمس.

الخروج بره كان احساسه فعلاً منعش ومهدئ للأعصاب… آشعة الشمس متسربة من وسط الضباب والجو هادي ومريح جداً…. اتنين رجالة لابسين هدوم شغل بيشربوا كباية بيرة كبيرة، و كراسي الاسترخاء مليانة ناس ممددة ونعسانة وواخدة راحتها خالص… في كبار السن قاعدين علي سلالم خشب بيتكلموا أو بيقروا كتب، وشابين ممددين في الشمس. قعدت أتمشى ببطء وأنا بتأمل في كل حاجة — الهدوء، الضوء الدافي، والحركة الخفيفة حوالي.

رجعت جوه وجبت معايا مشروب شوكولاتة سخنة، وبعدها رجعت للسلالم الخشبية، قعدت وغمضت عينيّ. خليط الفرح والهدوء والمراقبة الحلوة ودفء الشوكولاتة كان أحسن لحظة استراحة وسط الرحلة. ☕💛

الجزء التاسع – العشاء والضوء الذهبي 🌅

في النهاية يستدعيني الواقع وأقرر أدخل جوه وأشوف حاجة تتاكل. الإختيارات النباتية محدودة، بس سوسيس نباتي مع بطاطس هيمَشي الحال. اخترت ركن هادي في الكافتيريا يديني شوية احساس بالخصوصية ومنظر رائع على البحر، ورؤية شاملة لبقية المكان.

كل لقمة كنت باكلها بإستمتاع وأنا مدركة ان الأيام الجاية هتكون رحلات في أماكن منعزلة من غير محلات أو مطاعم، ومن غير إمكانية أطبخ وجبات دافية فاخرة. فكل بطاطساية وكل لقمة سوسيس كانت ذو قيمة عالية جداً. 😌

مع حوالي ٣ ساعات قبل الوصول، رجعت الكبينة أمدد في السرير شوية وأعمل جلسة تأمل قصيرة، وأنا بتفرج على آشعة الشمس الذهبية وهي بتنعكس على المية. لبست هدوم مريحة وقعدت على السرير وغمضت عينيّ، والمزيكا هادية في الخلفية، متخيلة آشعة الشمس زي آشعة حب بتملاني من راسي لرجلي. ببطء، استسلمت لأحلى نومة أخدتها في فترة طويييلة. 😴✨

منظر الغروب من الكبينة بتاعتي

الجزء العاشر – صبر، شوية صبر، وكمان شوية صبر

المنبّه صحّاني بهدوء، كأنّه بيهمسلي، والعبارة على وشك الوصول. فضلت شويّة معلّقة بين الحلم والصحيان، بحاول أسرق كام دقيقة نوم زيادة، لحد ما إعلان من طاقم السفينة رجّعني للواقع: عندنا نص ساعة لازم كلنا نسيب فيها الكابينة. يوووه!

طبعاً نظرتي راحت للشمس البتغرب فوق البحر وكإنها رسمة قدامي، مكافأة صغيرة على إنهم صحّوني من أحلى نومة. مدّيت جسمي، جمّعت حاجتي، وبصّيت نظرة أخيرة للكابينة بشكر على كل لحظة فيها. بعدين رُحت ناحية المطعم، ولقيت مكان قدّام تلات شبابيك كبار بيطلّوا على البحر، وقعدت هناك بكاميرتي أراقب نور الشمس وهو بيتغيّر.

بعد شوية جه إعلان تاني بيقول إن “المسافرين اللي معاهمش عربيات” يستنّوا جنب المطعم عشان يوجّهونا من هناك فقمت ومشيت ناحيته. بعد ييجي عشردقايق بدأوا الناس التانية الكانوا مستنيين معايا في روستوك والكانوا تايهين معايا في الجراج ييجوا – الراجل بشعره الكيرلي والكوفيّة والبنتين صحابه والمسافرة اللي معاها كلب والست اللي كانت طول مرحلة الإنتظار حضنَة حبيبها. واستنّينا… عشر دقايق، خمستاشر، عشرين… ولا كلمة.

الملل بدأ يزحف ما بينا، فالست قررت تكسر الصمت وسألتني بالألماني أنا رايحة فين. قلتلها دي أول مرّة ليا في السويد، وهمشي لوحدي من يارنا لحد إسكيلستونا (هحكي أكتر عن التفاصيل دي في البوستات الجاية!). ابتسمت وقالت إنها عايشة في السويد بس لسه عندها مشوار بالقطر بعد ما ننزل، وشجّعتني بحماسها على الرحلة. بعد دقايق من الإنتظار ضحكت وقالت إن كل حاجة في السويد ماشية ببطء رهيب… بس في سري سألت نفسي: هو في أبطأ من ألمانيا؟ معتقدش…

قلت بهزار: “ده اختبار صبر حقيقي” وإحنا بنعدي الأربعين دقيقة واحنا لسه مستنّيين. لقيت كله بيضحك، وعيوننا بتتابع الموظفين اللي عمالين ينظفوا الكافيتيريا قدامنا ويهزروا مع بعض من غير ما يقولوا حاجة. واحد فيهم ماسك جهاز لاسلكي، والكاشيرة التانية بصّتلنا بنظرة اعتذار خفيفة وهي بتنضّف في أدواتها. وفجأة، راجل لابس جاكيت أصفر ظهر من لا أدرى أين وكلنا مبحلقين فيه بعينين مندهشة… وزي ما جِه لقيناه اختفى ورا باب تاني من غير كلمة. آه يا ربّي…

وأخيرًا لقينا راجل تاني شاب، شعره غامق وبنيته قوية، جلنا مبتسم وقال إننا خلاص نقدر ننزل. بصوت لطيف سأل لو حد محتاج مساعدة يشيل حاجة. كلنا وقفنا متفاجئين، كأننا مش مصدّقين وأكيد سمعنا غلط. بصّ على البنت اللي معاها الكلب وشنطتها العملاقة، سألها لو تحب يشيلها. عينيها فتحت من الدهشة وقالتله آه طبعًا! ومدّتله الشنطة. وبعد ثانيتين، الدنيا كلها انفجرت ضحك لما شُفناه بيتمايل تحت الوزن ويقول مصدوم: “دي تقيلة كده ليه!”

مشينا وراه في ممرات السفينة وعدّينا على السطح اللي السماء فوقه بقت لونها كحلي غامق، ونزلنا سلّم طويل، وبعدين ركبنا الأسانسير. البنت اللي شنطتها تقيلة اتقالها تستنّى مع المجموعة التانية لإن الأسانسير مكنش مكفينا كلنا، فبمجرد ما الباب قفل، الراجل رجع يضحّكنا تاني وهو بيقول: “أنا مش عارف فيها إيه الشنطة دي، بس دي مصيبة!”

لما وصلنا تحت في الجراج الضخم استنينا عند الباب، وقعدت أتفرج على عربيات النقل وهي بتعدّي، بعضها شايل عربيات جديدة لسة خارجة من المصنع. انبهرت تاني بقد إيه المركب دي ضخمة.

الراجل ودّعنا بودّ، وقال باي لطيفة قبل ما نركب الأتوبيس اللي هيودّينا لباب الميناء. الدنيا كانت خلاص مضلمة بس نسمة خفيفة كانت لسه مدفية الهوا، مخلّية الإحساس كله مريح، وروحي مليانة شوق لبداية المغامرة.

وأنا نازلة من الباص، عامل في الميناء مسكلنا الباب عشان نعدّي، فعدّيت بسرعة، مسحولة في أفكاري وأنا بدوّر على الطريق الصح. ولما لفّيت أسلّم على بقية المجموعة، اكتشفت إن الكل اتحرّك خلاص ناحية محطة القطر وإني فَوِتُّهم.انتابني شعور بالحزن خفت يكون بان عليّا لا مبالاة، بس خلاص، اللحظة راحت. سلّمت عليهم في قلبي، وقررت أركّز على الهدوء اللي جوّايا… الهدوء اللي بيقول “وصلتي خلاص”.

المدينة حولي ساكتة وشوارعها فاضية… لقيت أتوبيس واحد بيعدّي، واتنين بنات مراهقات بيتكلموا بصوت عالي، كل واحدة ماسكة موبايل وسكوتر في نفس الوقت. الضلمة، والهدوء، والهوا الساكن، كلهم حضنوني وأنا ماشية بسرعة ناحية الشقة اللي حاجزاها لليلة. حسّيت إنّي فعلاً وصلت.

بعد كيلومترين وصلت الشقة اللي دخولها الحمد لله عدى بسهولة. أول ما دخلت، خليت شنطتي تقع على الأرض بنفس عميييق من الارتياح. بعدها أخدت دوش سخن، وأكلت عشا بسيط، وبعدين قفلت السطارة، وسِبت ذكريات اليوم تزورني مرة أخيرة قبل ما قفلت عيني… وأنا متحمسة على اليوم البعده وبتسآءل ايه يا ترى هتكون مفاجآته …

…ولسه معنديش فكرة فعلاً اليوم البعده إزاي مليان مفاجآت


لو قريت/ي لحد هنا، أحب أقول لك/ي شكرًا من قلبي، بجد. ❤️ وجودك معايا من أول فصل في الرحلة دي معناه كبير جدًا بالنسبة لي، ومش قادرة أستنى أشاركك الباقي. البوست الجاي إن شاء الله هيكون جاهز خلال أسبوع أو اتنين – خليك/ي متابع/ة!

💛 ولو استمتعت/ي بقراءة مذكراتي، وحابب/حابة تدعمني/تدعميني، ممكن تشتري لي فنجان قهوة عن طريق هذا اللينك. ☕ أنا بعشق القهوة، وصدقني/صدقيني دي من أسرع الطرق اللي ممكن تخلّيني مبسوطة أوي. ☺️ 💁🏻‍♀️

🖼️ ولو حبيت/ي الصور وحابب/حابة تطلب/ي منها نسخة مطبوعة أو تستخدم/ي/ها كـخلفية، ابعت/ي لي رسالة عن طريق الcontact! 🫶