«وبعدين… لقيت نفسي في السويد»

٨ أيام من المشي والأحلام والتوهان في السويد (اليوم الثالث)

أهلاً بيكم في بوست جديد عن رحلة التنزه بتاعتي في السويد في سبتمبر ٢٠٢٥!

بوست النهاردة بيحكي عن اليوم الثالث في رحلتي — يوم هادي شوية، وروحه أخف من رحلة إمبارح.
يوم مليان خطوات محسوبة، عضلات لسة بتعيّط شوية، ضباب مطر، لحظات دهشة ساكتة… وضحك مش معمول حسابه.

تعالوا نتمشى مع بعض ونستمتع بالتفاصيل الصغيرة اللي بتدي كل رحلة طعمها…
ولو حسيتوا انكم عايزين تضحكوا على مغامراتي… ولا يهِمُّكم — خدوا راحتكم 😁

مدة القراءة: حوالي ٢٠ دقيقة

〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️

٢١ سبتمبر ٢٠٢٥ – اليوم الثالث
من غنيستا إلى فاسبي 🌧️

🍃 الجزء الأول — محاولات تصالح مع عضلاتي

٠٣:٠٠ فجراً.
هو أنا فين؟ إيه اللي جابني هنا؟

صحيت على ضلمة كحل وبحاول أفهم أنا نايمة فين وبعمل إيه هنا. بس جسمي فكرني أسرع من مخي:
حسيت بوجع ثقيل وتعب أثقل في كل منطقة في جسمي…

بصيت على الموبايل ولقيت الساعة لسه ٠٣:٠٠ الفجر.

… يا خبر. لأ طبعاً، مينفعش أصحى دلوقتي!
ضميت نفسي في البطانية زي بوريتو بشري وحاولت أسَكِت أفكاري اللي عمالة تجري ماراثون في أكتر وقت مش مناسب.
لازم أنام تاني… لازم أشحن قبل ما أكمل رحلتي بكرة… بكرة اللي هو يعتبر بدأ من ثلالثة ساعات

قفلت عيني وحاولت أهدى وأفكر نفسي إن أنا بأمان وكله هيعدي على خير.

فتحت عيني بعدها بشوية (أو يعني ده كان إحساسي)… ولقيت الدنيا منوّرة!
مديت إيدي بالعافية للموبايل اللي على دولاب خشب قدامي.
٠٧:٠٠… ياااه للراحة اللي الرقم ده قدر يحسسني بيها! 🙌

فجأة كل ذكريات امبارح رجعتلي:
الطريق اللي دمَّر نفسيتي ورجلي، دخلة الكوخ الساعة ١٠ بالليل وأنا ماسكة الدموع بالعافية، ووقوعي على الكنبة كإني محتاجة إعاشة… وبعد ربع ساعة بالظبط قيامي بالعافية أعمل حاجة دافية آكلها.

وأحلى لقطة؟ إني أكتشف إن لازم أطلع للسرير بسلم!
دلوقتي؟ بجد؟
كل خطوة حسيت ركبتي خلاص هتودعني للأبد.

بعد السحلة دي حاولت أرجع أفكاري للحاضر وأنا لسه في السرير… فكرت نفسي إن النهاردة يوم جديد… ويا ترى جسمي عامل إيه دلوقتي؟

بدأت أقوم بالراحة… زقيت نفسي بالراحة لطرف السرير، وحطيت رِجل على أول درجة من السلم… وتاني رِجل… وواحدة كمان
أوكي، في وجع… كتير… بس بالرغم من ذلك أخدت بالي إني أحسن بكتير من امبارح! يمكن ٦٠٪ أحسن.
ده كان كفاية يديني أمل إني أقدر أكمل مشي النهاردة كويس.

وبالرغم من هذا الإكتشاف لقيت أفكاري مش متعاونة أول ما بدأت اليوم بجد… أو حاولت بالمعنى الأصح.
الفطار والقهوة أخدوا سنة علشان أعملهم… وكل شوية ألاقي نفسي ماسكة الموبايل بلا هدف.
ولما أخيرًا عملت القهوة… وقعت البُن كله على الأرض 🤦‍♀️

المحاولة التانية نفعت… بس بالعافية
واضح اليوم من أوله

قررت أطلع أشرب القهوة بره — مع إن الدنيا برّه مغيّمة جداً وخشب التراس مبلول من المطر، حسيت إن جزء مني محتاج هواء بارد يصحصحني… وجزء تاني محتاج يختبر الجو كده على خفيف قبل ما أبتدي رحلتي.

قعدت على كُرسي رَتّان من غير مخدة وفضلت أتفرج على الدنيا وأحس بكل التفاصيل الحولي.
ريحة المطر لسه في الهواء… والبرد منعش.
المخيم ساكت خالص… كإن مفيش غيري

قعدت أتفرج شوية على العصافير: اتنين قرقف أزرق (أيوا اسمه كده بجد) ، عصفور حسون (آه والله اسمه كده برضه)، واتنين ورشان (حمامة شكلها مختلف عن النعرفها، دوسوا على اللينك وهتشوفوها).
عايشين حياتهم عادي… حتى مع صوت ضرب نار مسموع من بعيد في الغابة.
قلت لنفسي: لو العصافير دي مش متضايقة من الصوت… أنا أتضايق ليه؟ مليش عذر…
افتكرت نفسي وأنا صغيرة… لما كنت بقول في المدرسة إن حلمي لما أكبر أبقى مراقبة طيور، بعد ما “دكتورة بيطرية” قعدت كتييير من السنين قدام.
فعلاً مراقبة الطيور حاجة مريحة للأعصاب جداً…

بعد تقريباً خمس دقايق من تأمل الطيور وجهت نظري للدُش اللي برّه (أيوه… فيه دُش برّه!)
وقعدت أفكر… أدخل… أو بالمعنى الأصح أخرج أستحمي؟

كنت ناسية أصلاً إن المكان ده فيه دُش برّه وحاولت أفتكر هو أنا كنت فاكرة إيه وأنا بحجز المكان ده لآخر شهر سبتمبر؟…
بعدين افتكرت: دي كانت بني آدمة ثانية مأنتخة في مصر اللي حجزت… في درجة حرارة ٣٥° والبحر قدامها.
طبعاً ١٣° ماكانتش في التخيل خالص وقتها.

بس أهو… كلها خبرة جديدة

🍃 الجزء الثاني – منظر الغابة البانورامي بالبخار

٠٩:٠٠ صباحاً.
بعد ما القهوة والهواء المنعش فوقوني شوية، أخدت القرار إني هجرب الدُش اللي برّه. الجو كان برد لكن الهواء مليان ريحة حلوة… ريحة أوراق صنوبر مبلولة، عشب نظيف، وطينة رطبة. ماقدرتش أقاوم فكرة الدش وسط الريحة دي، تحت السماء وهي مرسومة زي لوحة فوق راسي، ووسط منظر الأشجار البانورامي ده. كمان عضلاتي كانت محتاجة مياه سخنة تفك الشد اللي لسه حسة بيه من امبارح. بصراحة… ماكنتش حاسة إن إمكانية إني أقول لأ كانت موجودة أصلاً.

بحماس، جهزت نفسي للمغامرة الصغيرة دي. المشكلة الوحيدة؟ مش لاقية أي فوط… إيه الحكاية؟ بصة سريعة على Airbnb أعطتني الإجابة… فعلاً الحجز مش متضمن فوط. ولا حتى ملايات… ثانية كده! ولا حتى ملايات؟ يعني إيه

بصيت على اللحاف والمخدات… فعلاً، مفيش ولا حاجة مغطياهم. كان لازم أجيب معايا… تمااام. كويس جداً إني كنت تعبانة بالليل وماخدتش بالي… لو كده كنت هنام على الكنبة. آسفة مسبقاً للهوست والضيف اللي جاي بعدي…

بالنسبة للفوط: أعمل إيه دلوقتي؟
قعدت أدور حولي… وملقيتش حل غير إني أستخدم فوطتين لليد صغننين جداً، طولهم حوالي ٣٠ سم.
أوكي… نقدر نعملها. أكيد ده أحسن من إني أنشف جسمي بورق تواليت، صح؟

بعد عشر دقايق من التجهيز النفسي بقيت أخيراً واقفة تحت الدُش وحاسة بسعادة ممتعة جداً. المياه السخنة نازلة على عضلاتي ومدفياهم كإنها بتحضنهم… وأنا مستمتعة بمنظر السماء والأشجار حولي جداً… والبخار الكثيف في الجو البارد عامل تفصيل جمالي رائع. قفلت عيني وأخدت وقتي، وسيبت الدفء يلمسّ كل جزء تعبان من جسمي — شعوركان فعلاً روعة.

كمان أخدت بالي إن ريحة المياه كانت مميزة جداً، بس بطريقة حلوة… أقرب وصف قدرت أفكر فيه: ريحة ملايات مكوية بس مع شوية ريحة طبيعة. متسألوش ليه… بس الريحة دي مع الهواء الخفيف عملتلي إحساس كده بحضن دافيء مع شحنة طاقة إيجابية.

خلصت ونشفت نفسي بالفوطتين الصغيرين، ولسه حاسة بدفء رغم ١٣°… ورجعت على جوه وأنا مستمتعة جداً ومبسوطة إني قررت أجرب.

🍃 الجزء الثالث – تحضير بعناية ومقاومة شديدة

١٠:٢٠ صباحاً.
كملت تجهيز لليوم، ولاحظت قد إيه أبسط الحاجات عمالة تاخد مني وقت… بس ملقتش قدامي حل غير إني أقبل بكده.
مهم إني أبدأ اليوم وأنا متحضّرة كويس ومستريحة قد ما أقدر.

قعدت وفتحت الموبايل لمراجعة الخطة… الخطة الأساسية كانت إني أمشي ٢١ كم على طريق كنت فعلاً متحمسة عليه جداً. بس مغامرة إمبارح علّمتني أكون واقعية وأخف على نفسي. فبشوية مقاومة، قعدت وعدّلت الخطة بحيث إني أمشي ١٧ كم بس… يعني ٤ كم أقل. مش كتير، بس هيوفروا ساعة كاملة من المشي. ولما تكون/ي تعبان/ة، فرق الساعة ده بيفرق بجد.

كجزء من التحضير الجديد، قررت برضه أجرب شريط الكينيسيولوجي لأول مرة. هو شريط قطن مطاطي، فيه لاصق، المفروض يكون بيساعد العضلات والمفاصل من غير ما يقيّد الحركة. الرياضيين وأخصائي العلاج الطبيعي بيستخدموه لتخفيف الألم وتحسين الدورة الدموية ومساعدة العضلات. عمري ما استخدمته قبل كده، ومش متأكدة لو وهم ولا فعلاً بيجيب نتيجة… بس كنت جايباه معايا إحتياطي وحسيت إن النهاردة يوم مناسب جداً أجربه فيه.

بحبة ذكريات يا دوبك قادرة أستوعبها من فيديو على يوتيوب، لصقت الشرائط على كتفي وفخذي وركبتي وكواحل رجلي. حتى لو مكنش هيعمل فرق، على الأقل جربت. وأهو مديني احساس بإني بقيت حريفة…

بستظرف… 😏

١٠:٣٠ صباحاً.
لدهشتي لقيت مستضيفة المكان اللي جاي بتعرض علي تقابلني في نصف الطريق بالعربية و تاخدني أبدر شوية أول لما قلتلها إني جايه على رجلي. أول رد فعل لي؟ طبعاً رفض… حسّيت كأني بستسلم. بس صوت هاديء في دماغي قاللي: بلاش عند… دي هدية صغيرة. خديها وريحي نفسك… ما انتي لسة قدامك أيام مشي كتير!
فبمزيج من تردد وخجل، قبلت عرضها. اتفقنا نتقابل في قرية اسمها ريناس على بعد ١٣ كم بدل ١٧ كم.
ده بالنسبة لي حل وسط لذيذ: لسه في مسافة طويلة كفاية أمشيها، بس مش لدرجة إن طاقتي ترجع لنقطة الصفر.

إرتحت بهذا القرار وكملت تجهيز… بس برضه أخدت وقت طويل جداً لحد ما حسّيت إني جاهزة كل شوية أعيد التفكير في تفاصيل كثيرة قوي… مش أحسن أعمل شوية تمارين ثانية؟ وآخد دواء مسكن؟ وآكل فطار ثاني… طب أشرب قهوة ثانية؟
كمان حبك يشغلني حاجة مش وقتها خالص: اتنين دبابير دخلوا الكوخ وتاهوا توهة سيئة ومعرفوش يطلعوا غير بعد ييجي ثلث ساعة… وأنا مضطرية أستناهم يخرجوا علشان أقفل الشباك وأكون مطمئنة إن صاحبة المكان متعضش على واحد بالغلط مثلاً ويبقى الموضوع… مش لطيف.

وأخيراً… الساعة ١١:١٥ ظهراً حسّيت إني جاهزة أسيب المكان وأبتدي رحلتي.

وداعاً يا كوخ يا صغير… و شكراً إني قدرت أحتمي بيك بعد يوم صعب كده.

🍃 الجزء الرابع – خطوة خطوة، بالراحة بالراحة

النزول من على السلم طبعاً كان مغامرة، لكن عدت على خير. وأهو حسيت بشوية مساچ خفيف في عضلاتي من الشرايط العلى رجلي… علامة كويسة!

بعد ما نزلت ولقيت نفسي واقفة على حشيش ورحلتي أخيراً بتبدأ بصيت بصة حولي… برضه مش شايفة حد خالص. جميل جداً!
فتحت كوموت (الأبليكيشن البستخدمها للتوجيه) وبدأت تسجيل الرحلة… وعمالة أقول لنفسي إن النهاردة هيكون يوم أحسن وأخف من إمبارح.

الجو أبرد شوية دلوقتي وحسيت بنسمة لطيفة بتسلم علي وعلى الشجر. بدأت أمشي على شارع معمول من ظلط وأخدت بالي إن ده نفس الشارع الأنا مشيته امبارح بالليل في عز الظلام ومنتهى اليأس… ياااه! قد ايه حسيت إن نفسي الإتبهدلت امبارح دي بعيدة دلوقتي وأنا باخد خطواتي في ضوء النهار… كويس، كويس. خلينا مركزين في القدامنا أحسن.

وصلت لكوبري بيعدي فوق مجرى مائي وطبعاً وقفت أتفرج على المنظر— ناحية مفروش فيها زنبق مائي على سطح المياه والناحية الثانية مليانة قصب. وكمان شفت شجر جذوره بارزة فوق المياه… منظر مميز! وعلى بعد شوية شفت مركب عليها شخصين بيبصوا على حاجة في المياه بس معرفتش أفهم بيبصوا على ايه بالظبط. ويلا بينا نكمل!

كملت مشي وأنا ساندة على عصيان المشي بتاعتي كمساعدة صغيرة. المشكلة إني حسيت بألم في إيدي من إستخدامي الشديد للعصيان امبارح — كنت ساندة عليهم جامد وأنا بمشي بالعافية في الآخر… بلاش أستخدمهم النهاردة؟

غيرت رأيي في خلال دقيقتين من تجربة المشي من غيرهم. مش هينفع خالص. حسيت بفرق الوزن على ركبي على طول وأخدت بالي إن الموضوع مش مستاهل… أحسن إيدي توجعني عن ركبي — بما إني لسة هحتاجهم بشدة الأيام الجية.

من حين لآخرألاقي عربيات بتعدي جنبي وأنا بحاول أكمل مشي بسرعة ثابتة. إكتشفت إن المشي على الشريط الرفيع من التربة على طرف الشارع أريح بكثير على رجلي من المشي على الظلط المستواه بيتغير مع كل خطوة — درس مفيد جداً… طول ما فيه تربة يتمشي عليها.

١١:٤٥ صباحاً.
بعد قليل من الوقت لقيت نفسي ماشية بجانب حقول ممتدة لمسافات بعيدة جداً وحسيت بإرتياح زي ما أنا متعودة أحسه عند مشاهد زي دي. بحب أشوف مناظر مفتوحة والسماء تكون باينة فيها — زي في الصحراء أو البحر برضه.
أخدت نفس عميق وخليت المنظر يفوقني شوية… كل ده وأنا بحاول أطنش لإكتشافي بإن الدنيا بدأت تندع… المفروض تمطر جامد النهاردة.

بس طول ما الدنيا تمام هستغل الفرصة إني أخلي عيني تسيح في المناظر الجميلة البتقابلني في كل اتجاه وفي تفاصيلها: حزم القش، بقر، خيول متوزعة على الساحة الواسعة القدامي.

عشان مخليش أفكاري المتعبة تاخد راحتها قوي شغلت موسيقى تشاركني اللحظات دي زي امبارح… لقيت سبوتيفاي بيقترح علي أولديز (أغاني أيام زمان) وشوية إيندي (موسيقى مستقلة) كموسيقى تصويرية لهذه اللحظة… وماله؟ حلو برضه. ما هي الرحلة كلها عبارة عن الخروج من مجال الراحة بتاعي. وأي موسيقى أكيد أحلى من صوت العربيات!

🍃 الجزء الخامس – ناخد نفسنا من حبة ريحة قش

١٢:١٥ بعد الظهر.
المطرة زادت شوية، فقررت آخد استراحة صغيرة عند تقاطع وألبس الجاكيت بتاعي. هيبقى إحساس وحش قوي إني أتبل وآخدلي برد كمان… بالذات لو دي حاجة ممكن أتجنبها بسهولة. فلبست الجاكيت وكملت مشي الساعة ١٢:١٨ بعد الظهر.

عند مسافة ٣،٥ كيلو لقيت قدامي حظيرة حمراء كبيرة قدامها كزة حزمة قش ملفوفة ببلاستيك أبيض. عجبني على طول ثقة المُلّاك في الدنيا وإنهم سايبين باب الحظيرة مفتوح على الشارع كده. الباب بجد ضخم — ييجي أربع متر مثلاً. جوه الحظيرة فيه قش أكثر وأدوات مختلفة متوزعة على المكان جوه. أدخل أتفرج طيب؟ حسيتهم بيقولولي اتفضلي…

بصيت في الإتجاه التاني ولمحت جنينة صغيرة مفتوحة ومعتنى بيها كويس ومفيش حوليها سور. في نصها شجرة جميلة وحبة حجر متوزع تحها في دايرة… فقررت آخد استراحة محترمة هنا وأعيد التفكير في خطتي. قعدت على حجرة منهم وأخدت نفس عميق من الهواء المنعش قبل ما أفتح موبايلي وأتسحل في أفكاري.

بما إني اتفقت مع صاحبة المكان الجي إني أقابلها عند ريناس الساعة ٠٣:٠٠ بعد الظهر جمعت إني غالباً مش هلحق أوصل. لسه فاضل لي ٩ كيلو أمشيهم في ساعتين ونص بس. وأنا للأسف أبطأ مما توقعت…

افتكرت إنها اقترحت علي تجبني من عند المطار المركزي وأخدت بالي إن ده هيوفر تقريباً ٤ كيلو… مش سيئ. بس طبعاً حسيت اني بتدلع فقررت أراقب سرعتي شوية كمان وأقرر عند الإستراحة الجية لو أكتبلها.

بعد ربع ساعة من الإستراحة قمت وكملت مشي على الطريق المخصص للمشاه. لقيت نفسي بعدي جانب حقول تانية وبعدين بدخل غابة صغيرة الطريق فيها مليان شجيرات. مفيش بني آدم واحد قابلته في طريقي… فقط بسمع أصوات عربيات عن بعد وأصوات غريبة الشجر بيعملها. كل شوية أسمع صوت يفكرني إن فيه عربية بتقرب وهتعدي جانبي فآجي أوسعلها بس أول ما ألف ملقيش حاجة… يطلع كل مرة صوت الهواء بيلعب مع الشجر. كل مرة أقع في الفخ ده.

بعد مشي كيلومترين تانيين لقيت نفسي محتاجة إستراحة تانية. جسمي وجعني ومحتاج حنية وصبر كتير. فدورت على مكان هادي جانب الممشى باصص على حقل وخليت نفسي أترمي على الأرض… فيه نسمة خفيفة في الجو لكن مش برد أوي. 

بعد ما أكلت سناكس وأخدت لي سلفي أو اتنين حاولت أقوم وأكمل مشي… حاولت بالمعنى. لقيت إني بعافر جداً في القومان. حاولت أزق نفسي لفوق بإيدي لكن ركبي مش راضية تستجيب. مع كل محاولة أقع لوراء تاني… يووه! 

أخدت بالي اني لازم أخد بالي من الوضعية اللي هقعد بيها المرة الجية، بحيث انها تكون وضعية أقدر أقوم منها بسهولة. طبعاً ده بس اليومين دول وأنا مرهقة كده… على ما أرجع لطبيعتي. ومع شوية تركيز عرفت أقوم وأكمل طريقي وضحكت وأنا بفكر إن الرحلة دي مش هتصغرني في السن.  

بعد كام خطوة زيادة لقيت منظر الأرياف الأنا حافظاه بيصالحني على التعب الأنا فيه… قدامي خيل بياكل حشيش بإستمتاع ولا مبالاه، بقر بيتفرج علي بفضول وبراح حولي في كل إتجاه. 

بعد شوية لقيت نفسي بعدي فوق طريق زلطي تاني بيعدي من وسط حقلين… طبعاً مع منظر القش المألوف وحظيرة تانية لونها أحمر. لاحظت إن كل الحظائر العديت جانبها لونها أحمر. قلت لنفسي أحاول أفهم ليه بعدين.

دورت على السبب وأقدر اقولكم الآتي: الحظائر السويدية بتتدهن تقليدياً باللون الأحمر البيسموه “falu” وهو صبغة مشتقة من منتجات ثانوية لمنجم النحاس الاسمو “falun”. المنجم ده كان بينتج تقريباً تلتين من إحتياج أوروبا للنحاس وفضل شغال تقريباً ميت سنة لحد ١٩٩٢… وبعدها أصبح أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو. اللون الأحمر ده بقى مليان حديد وبيحمي المباني الخشبية من التعفن والطقس القاسي في الشمال، وكمان بيشبه واجهات الطوب الأحمر الأوروبية الراقية لأن اللون ده بيستخدم في الأصل في القصور وما يشبهم… وأصبح بقى متاح للسويديين البسطاء في القرن التاسع عشر. وده خلاه يبقى ركن أساسي للهوية الثقافية السويدية. 

كملت طريقي ونفس المنظر الريفي متابعني في كل مكان… لحد ما وصلت لطريق طويل بيعدي مابين حقلين. في اللحظة دي حسيت إن معنوياتي ضعيفة جداً. كل مرة كوموت يقوللي “كملي مشي في الطريق ده كمان كيلومتر” أحس بدفعة إحباط، بيزيد كمان مع إدراكي إن سرعتي بطيقة جداً.  

أخدت بالي اني مشية بسرعة ٢٬٥ كيلومتر في الساعة… ده كمان أبطق من سرعتي امبارح وأنا عند كيلو ٢٧. وقفت في نص الطريق، أخدت نفس وسألت نفسي: هو ليه الموضوع صعب كدة؟ أنا بعمل إيه غلط؟
قررت إني لازم أعمل كل الأقدر عليه علشان أريح كويس لما أوصل وأقدر أخفف الطريق على نفسي بكرة والأيام الجية.

٢:٣٠ بعد الظهر.
 أخدت استراحتي الأخيرة فوق قطعة حشيش على طرف الحقل. نزلت شنطتي وخليت نفسي أقع فقيها وعيني عائمة في السماء المغيمة. إحساسي بيتمرجح ما بين اليأس والرغبة في الإستسلام. بس الإستسلام مش إختيار بالنسبة لي. فقفلت عيني شوية وسبت أفكاري تتفسح. 

بما إن الوقت بيجري والضغط بيزيد عشان معاد مقابلتي مع صاحبة المكان قرب، قررت أوفق على اقتراحها وأسألها لو ممكن تاخدني من عند المطار المركزي. المطار تقريباً على بعد ١٬٥ كيلو من هنا وأنا خلاص قبلت الموقف وعرفت اني مش هلحق أوصل ريناس الساعة ٣:٠٠… 

لفرحتي لقيتها بترد علي بسرعة وبتقولي إن مفيش مشكلة خالص وإنها ممكن تقابلني هناك في ربع ساعة. تمام جداً! ده بالظبط الدافع الأنا محتجاه دلوقتي عشان أقوم وأكمل مشي. 

🍃 الجزء السادس – من شبورة عقلية لشبورة مطرية

لبست الشنطة ومسكت العصيان وكملت مشي بسرعة ثابتة قد ما أقدر. لقيت مجموعة رجال راكبة عجل معدية جانبي، كلهم ماشيين في خط وراء بعض. أول واحد في الطبور رحب بي بلطف وآخر واحد فيهم شاورلي. اللحظة البسيطة دي الطولها ميجبش حتى خمس ثواني رفعت من معنوياتي جداً. 

وبعدين على مرة واحدة بدأت تندع. محبتش أقف عشان ألبس الجاكيت وأعطل نفسي فكملت مشي. لكن في خلال ثلاثين ثانية الدنيا بدأت تمطر أجمد. عرفت إني ضروري أقف تحت أول شجرة ألاقيها وألبس الجاكيت لأن أكيد هتمطر أكتر كمان. وفعلاً هما عشر ثواني ولاقتها طخ! مطرة في كل مكان… ومن كتر ما المطرة جامدة هي تشبه شبورة مش باين منها حاجة. سرعت مشيتي تجاه شجرة عن بعد ٥٠ متر أقدر أحتمي بيها وأول ما وصلت فكيت الجاكيت من حولين وسطي ولبسته مرة ثانية.  

بدأت أحس بشوية ضغط وأنا بفكر إن أكيد الست مستنياني دلوقتي وأنا محتاسة في المطرة دي. فسرعت قد ما أقدر. وعلى مرة واحدة وكإن مفيش أي حاجة حصلت لقيت شحنة طاقة غريبة جداً بتزقني لقدام — لقيت سرعتي عند ٥ كم/س – يا للمعجزة! فمشيت ومشيت والدنيا حولي شلال مطر.

وأخيراً لقيت تقاطع صغير كنت مستنية أشوفه… الشارع الأنا ماشية فيه بيخش في شارع أكبر منه وحواليهم حقول من كل ناحية. كملت مشي في إتجاه التقاطع ولقطت بيوت صفراء كانت الست قالتلي عليهم وكنت فاقدة الأمل إني عمري هلاقيهم خلاص — بس هايل! يا دوبك خمس دقايق مشي كمان وهوصل هناك.

سرعت مشيتي وعيني ماشية مع كل عربية بتعدي قدامي في تفس الوقت، بحاول أشوف لو تكون واحدة فيهم عربيتها. أكيد هي هتشفني بمنظري الكوميدي ده بس برضه يا ريتني كنت سألتها هتكون سايقة عربية إيه… بس خلاص بقى أهو ده الموقف دلوقتي.  

وأنا داخلة على التقاطع لقيت عربية كانت راكنة بره الشارع على بعد ٢٠٠ متر بدأت تتحرك ومتجهة ناحيتي. ممكن تكون هي؟ 

أول ما لقيتها بتدي إشارة يمين وبتهدي جمعت إنه أكيد هي — ياه للراحة الحسيت بيها! كملت مشي في اتجاهها بسرعة وأنا منظري أكيد كوميدي وإبتسامة كبيرة على وشي. 

لقيتها بتفتح الباب وبتنزل من العربية ومحسستنيش في أي لحظة إنها متضايقة من المطرة. سلمت علي وحضنتني وهي عمالة تضحك على المطرة معايا… عجبتني جداً اللحظة دي. هي واقفة بتضحك والقميص بتاعها عمال يتبل أكتر وأكتر منغير ما يبان أي إنزعاج على وشها. 

فضلت أضحك وهي بتضحك وبدأت أتأسف على إني هَبِل العربية بتاعتها. أكدتلي إن مفيش أي مشكلة — دي عربية صاحبتها أصلاً. تمام!
“يبقى أنا آسفة إني هبل عربية صاحبتك” — ضحكتها الجملة كتير. 

🍃 الجزء السابع – ولا يهمك، هنسميها سي ڤيو

أول ما طلعنا على الطريق قعدت اشكرها ألف مرة على مساعدتها ولقيت نفسي مش عارفة أوقف كلام عن مغامرتي بتاعة امبارح. فضلت تضحك معايا وسألتني أنا ليه بعمل الرحلة دي لوحدي. سؤال وجيه، متعودة أسمعه ولكن كل مرة بحس بصعوبة في الرد عليه. حاولت أرد كالآتي: لما بمشي لوحدي بيبقى عندي مساحة لأفكاري، وبعرف أمشي بالسرعة التناسبني فببقى براحتي وكل مرة بتبقى مغامرة جديدة وبآخد خبرة وبتعلم حاجات جديدة. 

سألتني لو خفت إمبارح لما الدنيا ضلمت… قد ما كان صعب علي الإعترف بالإجابة الصريحة قلتلها الحقيقة: أيوة خفت.
بس أنا كلمت حد وده ساعدني كتير. وكمان في الأخر قدرت أوصل ودي كانت بنسبالي خبرة حبيت أكسبها. 

حكيتلها إن دي أول مرة ليا في السويد ولقيتها استغربت جداً. “إيه؟ أول مرة ليكي بجد؟! أهلاً وسهلاً في السويد!” وقعدت تهزر وتقول إن ده الصيف السويدي. ضحكتني كتير وقلتلها إني استحق الحصل ده شوية لأني جيت في وقت سيئ. 

كملنا طريقنا للبيت، وحسيت بالراحة حولين روحها المرحة. حكتلي إنها بتشتغل مع كبار السن، وعلشان كده لازم تمشي الساعة ٣:٣٠ بعد الظهر. حكت كمان إنها بتشتغل في طب الأقدام. لقيت نفسي على مرة واحدة بقول “أيوا، بودولوجي!” بالألماني، مندهشة من معرفتي بهذه الكلمة. أكدتلي الإجابة بهزة من راسها. قلتلها إني بحب الهي بتعمله جداً وإني بحترم الناس البتشتغل مع كبار السن قوي. ابتسمت وسألتني عن بقية مساري، وفين مضيت الليلة إمبارح، وهتجه على فين بعد كده. حاولت نطق إسم الطريق الكنت ماشية عليه — “سورملاندسليدن” — وأنا مش واثقة من نفسي قوي ولاقيتها فهمتني عند تاني محاولة. لقيتها بدأت تفكر بصوت عالي لو ممكن توصلني جزء من الطريق بكرة بس إفتكرت بعدها إنها هتروح في الاتجاه المعاكس لتمارين السباحة بتاعتها. فلتلها مفيش مشكلة على الإطلاق — الخطة الاساسية هي ما زالت إن أنا أمشي بالرغم من كل الحصل

دخلنا في شارع صغير مرصوف بيوصل للبيت، ودخلنا ملف وسط الشجيرات لغاية ما وصلنا في جنينة كبيرة مستخبية وراء البيت. من هناك، مشيت معايا فوق مساحة واسعة مليانة حشيش أخضر كثيف لحد ما وصلنا الكوخ اللي همضي فيه الليلة. فتحت الباب وأنا داخلة وراها بحذر… نزلت عصيان المشي المليانة طينة بجانب الباب وقلعت جزمتي. على طول، حسيت بالراحة في الكوخ الدافئ البيدعو للأنتخة.

كملتلي التور وأنا منبهرة بالمكان الهمضي فيه بقيت اليوم ومش قادرة أستنى لحد ما أبقى لوحدي فيه. قالتلي إني ممكن أنام فوق أو تحت (فيه سلم بيوصل لدور صغير قوي فوقاني كدة) وأنا طبعاً عرفت على طول إني هنام على الكنبة الشكلها مريح جداً وقدامي المطبخ. ده غير إن أنا مستحيل أطلع أو أنزل سلم تاني النهاردة. 

بعد كدة لقيتها بتفتح باب تاني بيودي لظهر الكوخ. وفرحت على طول بالمنظر — حقل واسع كبير والسماء ممتدة فوقه وأحلى حاجة: خيل ماشي في الحقل. يا سلام! 

لقيتها بتشاورلي على المنظر ودراعها مفتوح كإنها بتقدم عرض وبتقول بمنتهى الحماس: “أهو السي فيو” 

ضحكت جداً من جوايا وأنا ببص على شريط من البحيرة، بعيد جداً، يا دوبك باين، لكن عملت نفسي منبهرة زيها عشان مديقهاش. ومالو؟ نسميه سي فيو. كله جميل… ومفيش أي حاجة مضايقني دلوقتي.

أول ما مشيت، طبعاً إترميت على الكنبة وفردت رجلي. أخيراً. راحة. 

الساعة كانت لسة ٣:١٥ الظهرية فكان عندي وقت كتير قوي أعمل فيه الأنا عايزاه. بدايته كانت إني طبعاً لازم أستغل المنظر ده! فعملت حاجة آكلها وخرجت برا وقعدت على كنبة أتفرج على المنظر… الخضرة الجميلة، الحصان البيتمشى مع نفسه في الحقل. السماء المغيمة جداً بس مش مضايقاني خالص. شميت ريحة الجو وحسيت إني خلاص بدأت أرتاح من اليوم بجد. 

أخدت بالي إن الجو مش برد قوي… وإفتكرت إن الشمس كدة كدة هتطلع بكرة… ده شيء هايل! بالذات إني أخدت بالي إن هنا برضه فيه دش بالخارج — مسخرة! بكرة ليه زيارة أكيد… 

وبقية اليوم كان مليان سعادة فقط — أكل، راحة، نوم، دفء، أنتخة. صحيت فقط على وقت الغروب وأخدت صورة وكملت أنتخة على الكنبة.  

ومع هذا المود خليت اليوم يكمل معايا وأحاول قد ما أقدر مخليش حاجة تضايقني أو تقلقني. وأحلى حاجة بالنسبة لي كانت طبعاً (أي حد عرفني هيرد علي السؤال ده أسرع مني)… الهدوء. مفيش غير صوت العصافير كل فين وفين ولما الدنيا ضلمت مفضلش غير صوت الهواء وهو بيلعب مع الشجر… وده كان يشبه صوت موج البحر ساعات، لدرجة إنه خلاني أحلم بالبحر لما نمت. 

فمفضلش غير صوت نفسي وصوت البحر…
ومع ده هقول تصبحوا على خير! 

〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️

نظرة سريعة على إحصائيات الرحلة:

المسافة المقطوعة: ٩٫٦١ كم
مدة الحركة: ٢ ساعات و ٩ دقيايق
سرعتي المتوسطة: ٤.٥ كم/ساعة
الارتفاع المقطوع: ١١٠ م

🏅 المسافة المقطوعة من أول الرحلة: ٣٧.٥١ كم

إحصائيات أكثر تفصيلاً على كوموت (إضغط/ي على الصورة للانتقال إلى المسار):

〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️

البوست القادم هيكون جاهز كمان ٢ – ٣ أسابيع– خليكم معايا على الخط!

ولو عجبتك الصور ونفسك في واحدة مطبوعة أو عايز/ة تستخدم/ي أي صورة كـخلفية للموبايل أو اللابتوب، ابعت/ي/لي رسالة!

〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️


Discover more from Walking with Wolves

Subscribe to get the latest posts sent to your email.

One thought on “«وبعدين… لقيت نفسي في السويد»

Please leave a comment – I'd love to hear your thoughts!